30.60
اصبر على كرههم، واصبر على لددهم وعنادهم، واصبر على إيذائهم لك ولمن يؤمن بك، اصبر على هذا كله لأن العاقبة في صالحك ﴿ إن وعد الله حق.. ﴾ [الروم: 60]. وقد وعد الله رسله بالنصرة والغلبة، ووعد الله حق، فتأكد أن النصر آت. لكن ما دام النصر آتيا، فلماذا هذا الصراع بين المؤمنين والكافرين؟ ولماذا كل هذه المشقة والعناء في سبيل الدعوة؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يمحص أتباع محمد، وأن يدربهم على مسئولية حمل أمانة الدعوة وشعلة النور من بعد رسول الله، لا إلى أهل الجزيرة العربية وحدها، إنما إلى الكون كله. فلا بد أن يكونوا من أهل الثبات على المبدأ الذين لا تزعزعهم الشدائد، والدليل على ذلك أنهم يؤذون ويضطهدون فيصبرون، وهذه أهم صفة فيمن يعد لتحمل الأمانة. لذلك نقول: إذا رأيت منهجا أو مبدأ يغدق على أصحابه أولا، فاعلم أنه مبدأ باطل لأن المبدأ الحق يضحي أهله من أجله بأنفسهم وبأموالهم، يعطونه قبل أن يأخذوا منه، لماذا؟ لأن صاحب المبدأ الباطل لن يجد من يناصره على باطله إلا إذا أغراهم بالمال أولا واشترى ذممهم، وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل، ويحمله على اتباعه؟ إذن: لا بد أن يقبض الثمن أولا. أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مؤجل للآخرة، فهو ممنى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها، فتهون عليه نفسه، ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ. وفي رحلة الدعوة، رأينا الكثيرين يتساقطون بالردة عندما تحدث لرسول الله آية أو هزة تهز الناس، وكأن الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله. فالله يقول لنبيه: اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك، فنحن مؤيدوك، ولن نتخلى عنك، وقد وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت على جهرهم وبيتوا لك في الخفاء فانتصرت على تبييتهم، واستعانوا حتى بالجن ليفسدوا عليك أمرك، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم. إذن: فاطمئن، فنحن لهم بالمرصاد، ولن نسلمك أبدا، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من العقاب في الدنيا، وتراه بعينك، أو في الآخرة بعد موتك:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77]. ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول الله ما حاق بهم يوم بدر من قتل وأسر وتشريد، وقلنا: إن عمر رضي الله عنه وما أدراك ما عمر، فقد كان القرآن ينزل على وفق رأيه، ومع ذلك لما نزلت:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] تعجب وقال: أي جمع هذا الذي سيهزم، ونحن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا، فلما كانت بدر، ورأى ما رأى قال: صدق الله
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. وقوله تعالى: ﴿ إن وعد الله حق.. ﴾ [الروم: 60] الوعد: هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن، وفرق بين الوعد بالخير من إنسان، والوعد من الله تعالى، فوعدك قد يختلف لأنك ابن أغيار، ولا تملك كل عناصر الوفاء بالوعد، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه، أو تراه لا يستحق... إلخ. إذن: الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة، وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدت. لذلك يعلمنا الحق سبحانه أن نحتاط لهذا الأمر، فيقول سبحانه:
ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24] فاربط فعلك بمشيئة الله التي تيسر لك الفعل، ولا ينبغي أن تجزم بشيء أنت لا تملك شيئا من أسبابه. قلنا: هب أنك قلت: سألقاك غدا في المكان الفلاني، وسأعطيك كذا وكذا، فأنت قلت هذه المقولة ووعدت هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد، ولا تضمن أن يعيش صاحبك، وإن عشتما لغد فقد يتغير رأيك، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء، إذن: فقولك إن شاء الله يحميك أن توصف بالكذب في حالة عدم الوفاء لأنك وعدت ولم يشأ الله، فلا دخل لك في الأمر. فالوعد الحق يأتي ممن؟ من الذي يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه عنه مانع. وقوله تعالى: ﴿ ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴾ [الروم: 60] خف الشيء: لم يعد له ثقل، واستخف غيره: طلب منه أن يكون خفيفا، فمثلا حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه. واستخفه مثل استفزه يعني: حركه وذبذبه من ثباته، فإن كان قاعدا مثلا هب واقفا. لذلك نقول في مثل هذه المواقف خليك ثقيل.. فلان بيستفزك يعني: يريد أن يخرجك عن حلمك وثباتك.. متبقاش خفيف.. إلخ ونقول للولد فز يعني قف انهض، ومنه قوله تعالى