كذلك في يوم حنين الذي يقول الله فيه
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم..
[التوبة: 25] حتى أن الصديق نفسه يقول: لن نغلب اليوم عن قلة، فبدأت المسألة بالهزيمة، لكن الأمر كما تقول صعبوا على ربنا فأنزل السكينة عليهم، وشاء سبحانه أن يسامحهم في هذه الزلة مراعاة لخاطر أبي بكر. فقوله تعالى ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ [الروم: 47] نعم، نصر المؤمنين حق على الله، أوجبه سبحانه على نفسه، فهو تفضل منه سبحانه، كما يتفضل الموصي بماله على الموصى له. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الله الذي يرسل... ﴾.
30.48
الحق سبحانه يعطينا هنا مذكرة تفصيلية لعملية حركة الرياح، وسوق السحاب، وإنزال المطر، وكلمة الرياح إذا جمعت دلت على الخير كما في قوله تعالى:
وأرسلنا الرياح لواقح..
[الحجر: 22]. أي: تلقح النباتات فتأخذ من الذكر، وتضع في الأنثى، فيحدث الإثمار، ومن عجيب هذه العملية أن ترى الذكر والأنثى في العود الواحد كما في نبات الذرة مثلا، ففي الشوشة أعلى العود حبات اللقاح الذكر، وفي الشعيرات التي تخرج من الكوز متصلة بالحبات توجد أعضاء الأنوثة، ومع حركة الرياح تتناثر حبات اللقاح من أعلى وتنزل على هذه الشعيرات، فتجد الشعيرة التي لقحت تنمو الحبة المتصلة بها، أما الأخرى التي لا يصلها اللقاح فتموت. ولذلك نلحظ أن العيدان التي في مهب الريح أو ناحية بحري أقل محصولا من التي تليها، لماذا؟ لأن الرياح تحمل حبات لقاحها إلى العيدان الأخرى التي تليها، فيزداد محصولها. فإذا كانت بعض النباتات نعرف فيها الذكر من الأنثى كالنخيل، والجميز مثلا، فأين الذكر والأنثى في القمح، أو في الجوافة، أو في الموز. ولما درسوا حبوب اللقاح هذه وجدوا أن كل حبة مهما صغرت فيها أهداب دقيقة مثل القطيفة تتناثر مع الرياح، ويحملها الهواء إلى أماكن بعيدة لذلك ترى الجبال والصحراء تخضر بعد نزول المطر، فمن بذر فيها هذه البذور؟ إنها الرياح اللواقح بقدرة الخالق عز وجل. ولنا وقفة عند قوله تعالى:
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره..
[الشورى: 33] أي: السفن التي تسير بقوة الرياح تظل راكدة على صفحة الماء لا يحركها شيء، فإن قلت: كيف نفهم هذا المعنى الآن مع تقدم العلم الذي سير السفن بقوة البخار والديزل أو الكهرباء، واستغنى عن الرياح؟ ونقول: الرياح من معانيها الهواء، وهي أيضا تعني القوة مطلقا، كما في قوله تعالى:
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..
[الأنفال: 46] أي: قوتكم، فالريح تعني القوة على أي وضع، سواء أسارت بالرياح أو بالآلة، فهو سبحانه قادر على أن يسكنها. لذلك تجد أن الرياح بمعنى القوة لها قوة آنية، وقوة آتية، آنية يعني الآن، وآتية تأتي فيما بعد، وكذلك كل إنسان وكل شيء في الكون له نفس وريح وكيماوية خاصة به تميزه عن غيره وهذه مهمة كلاب البوليس التي تشم رائحة المتهمين والمجرمين في قضايا المخدرات مثلا، فالشخص له رائحة الآن وهو موجود، وله رائحة تظل في المكان حتى بعد أن يفارقه. لذلك يعلمنا القرآن أن الريح هو أثبت الآثار في الإنسان، واقرأ في ذلك قوله تعالى عن يوسف ويعقوب عليهما السلام:
اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا..
[يوسف: 93]. وكان يوسف في مصر، ويعقوب في أرض فلسطين، فلما فصلت العير بقميص يوسف، وخرج من نطاق المباني التي ربما حجزت الرياح، قال يعقوب
إني لأجد ريح يوسف..
[يوسف: 94] على بعد ما بينهما من المسافات. وإذا أفردت الرياح دلت على الشر، ومعنى الرياح أن تأتي ريح من هنا وريح من هنا.. فتأتيك بالأكسوجين أينما كان، وتحمل إليك عبير العطور في الكون، فهي إذن تأتيك بالفائدة. وقلنا: إن الأشياء الثابتة اكتسبت الثبات من وجود الهواء في كل نواحيها وجهاتها، ولو فرغت الهواء من ناحية من نواحي إحدى العمارات لانهارت في الحال، كذلك الريح إن جاءت مفردة فهي مدمرة، وفيها العطب كما في قوله تعالى: