تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30.29

اتبعوا أهواءهم لأنهم اختاروا عبادة من لا منهج له ولا تكليف، عبدوا إلها لا أمر له ولا نهي، لا يرتب على التقصير عقوبة، ولا على العمل ثوابا، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه. إياك أن تقدم الهوى على العقل لأنك حين تقدم الهوى يصير العقل عقلا تبريريا، يحاول أن يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته، لكن بالعقل أولا حدد الهوى، ثم اجعل حركة حياتك تبعا له. والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه، لكن الهوى الواحد غير مذموم، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة لأن الهوى الواحد في القلب يجند القالب كله لخدمة هذا الهوى، فحين يكون هواى أن أذهب إلى مكان كذا، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية، فيحدد الطريق، ويعد الزاد، ويأخذ بأسباب الوصول. وهذا الهوى الواحد هو المعنى في الحديث الشريف:

" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه وتحبه لأن ذلك الهوى يعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة. أما حين تتعدد الأهواء فلك محبوب، ولي محبوب آخر، فإنها لا شك تتعارض وتتعاند، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه، وأن تتعاضد لا تتعارض، وأن تتضافر لا تتضارب لأن تضارب الأهواء يبدد حركة الحياة ويضيع ثمرتها. أما إن كان هواي هو هواك، وهو هوى ليس بشريا، إنما هوى رسمه لنا الخالق - عز وجل - فسوف نتفق فيه، وتثمر حركة حياتنا من خلاله

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. وسبق أن قلنا: إن صاحب الصنعة في الدنيا يجعل معها كتالوجا يبين طريقة صيانتها، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي خلقك، وهو الذي يحدد لك هواك، وأول فشل في الكون أن الناس المخلوقين لله يريدون أن يضعوا للبشر قانون صيانتهم من عند أنفسهم. ونقول: هذا لا يصح لأن الذي يقنن ويضع للناس ما يصونهم ينبغي أن تتوفر فيه شروط: أولها: أن يكون على علم محيط لا يستدرك عليه، وأنت أيها الإنسان علمك محدود كثيرا ما تستدرك أنت عليه بعد حين، ويتبين لك عدم مناسبته وعدم صلاحيته. بل وتتبين أنت بنفسك فساد رأيك فترجع عنه إلى غيره، كما يجب على من يشرع للناس الهوى الواحد أن يكونوا جميعا بالنسبة له سواء، وألا ينتفع هو بما يشرع، وإلا لو كانت له منفعة فإنه سوف يميل إلى ما ينفعه، فلا يكون موضوعيا كما رأينا في الشيوعية وفي الرأسمالية وغيرها من المذاهب البشرية. والحق - سبحانه وتعالى - هو وحده الذي لا يستدرك عليه لأن علمه محيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، والخلق جميعا الذين يشرع لهم أمامه سواء، وكلهم عباده، لا يحابي منهم أحدا، ولا يميز أحدا على أحد، وليس له سبحانه من خلقه صاحبة ولا ولد.

لذلك يطمئننا سبحانه بقوله:

وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا

[الجن: 3]. وكأن الله تعالى يقول: اطمئنوا، فربكم ليس له صاحبة تؤثر عليه، ولا ولد يحابيه، فالصاحبة والولد نقطة الضعف، وسبب الميل في مسألة التشريع. وكذلك هو سبحانه لا ينتفع بما يشرعه لنا، لأنه سبحانه خلقنا بقدرته، وهو الغني عنا لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، إذن: فهو سبحانه وحده المستكمل لشروط التشريع، والمستحق لها سبحانه، وبيان الهوى الواحد الذي يجتمع عليه كل الخلق. وسبق أن ذكرنا في مسألة التشريع أنه لا ينبغي أن تنظر إلى ما أخذ منك، بل قارن بين ما أخذت وما أعطيت، فالذي منعك أن تعتدي على الآخرين وأنت فرد واحد منع الخلق جميعا أن يعتدوا عليك، فالتشريع إذن في صالحك أنت. إذن: لو عقلنا لأخذنا هوانا الواحد من إله واحد هو الله - عز وجل - لكن الخيبة أنهم ما استمعوا هذا الكلام وما عقلوه. ﴿ بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم.. ﴾ [الروم: 29] ظلموا لأنهم عزلوا الهوى الواحد، ونحوه جانبا، وأخذوا أهواء شتى تعارضت وتضاربت، فلم يصلوا منها إلى نتيجة. وما ظلموا بالشرك إلا أنفسهم، والله تعالى يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٤٧