30.33
الضر: هو الشيء الذي نتضرر منه، ولا تستطيبه النفس، فإن أصابهم الضر وأسبابهم لا تفي بالخلاص منه ﴿ دعوا ربهم منيبين إليه.. ﴾ [الروم: 33] أي: رجعوا إليه سبحانه، والآن علموا أن لهم ربا يلجئون إليه، وهذا يذكرنا بما قاله العرب عندما فتر الوحي عن رسول الله، فسرهم ذلك، وقالوا: إن رب محمد قلاه. سبحان الله الآن عرفتم أن لمحمد ربا. وقلنا: إن ساعة الضيق والمحنة لا يكذب الإنسان نفسه ولا يخدعها، وسبق أن ذكرنا قصة حلاق الصحة الذي كان يحل محل الطبيب الآن، فلما أنشئت كليات للطب وخرجت أطباء، وذهب أحدهم إلى قرية الحلاق، فأخذ الحلاق يهاجمه ويدعي أنه حديث لا خبرة له، فلما مرض ابنه وأحس بالخطر أخذه خفية في ظلام الليل، وذهب به إلى الطبيب، لماذا؟ لأنه لن يغش نفسه في هذه اللحظة. ﴿ ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ﴾ [الروم: 33] أي: يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله. وحين نتأمل هذه المسألة نجد أن القرآن عرضها مرة بصيغة الإفراد، فقال:
وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا..
[الزمر: 8]. وقال:
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه..
[يونس: 12]. لكن الكلام عن الإنسان المفرد لا يكفي لإثبات الظاهرة لأن الإنسان الواحد يمكن أن يستذل أمام ربه، ويعود إليه بعد أن تجرأ على معصيته، يكون ذلك بينه وبين نفسه، فلا يفضح نفسه أمام الناس، فأراد سبحانه أن يثبت هذه المسألة عند الناس جميعا ليفضح بعضهم بعضا، فذكر هنا ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه.. ﴾ [الروم: 33]. وفي آية أخرى:
فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون
[العنكبوت: 65]. فجاء بصيغة الجمع ليفضح الكافرين بعضهم أمام بعض، وقد يكون في هؤلاء الداعين من كان يؤلبهم على الله، ويصرفهم عن الإيمان به، وها هو الآن يدعو ويتضرع، وحين يفتضح أمرهم يكون ذلك أدعى لاستقامتهم وأدعى ألا يتكبر أحد على أحد. لذلك قلنا في ميزات الصلاة أنها تسوي بين الناس، فيجلس الرجل العادي بجوار من لم يكن يؤمل أن يجلس بجواره، ويجده خاضعا معه مطاوعا للإمام.. الخ ففي الصلاة، الجميع سواء، والجميع منتفع بهذه المساواة، آخذ منها عبرة، فلا يتكبر بعدها أحد على أحد. ونقف هنا عند ﴿ مس.. ﴾ [الروم: 33] وهو اللمس الخفيف، فالمعنى مسهم اليسير من الضر، ومع ذلك ضاقت أسبابهم عن دفعه، وضجوا يطلبون الغوث. وكلمة ﴿ أذاقهم.. ﴾ [الروم: 33] الذوق حاسة من حواس الإنسان يحس بها الطعام عند مروره على منطقة معينة في اللسان، فإذا ما تجاوز الطعام هذه المنطقة لا يشعر الإنسان بطعمه.
إذن: فلذة الطعام مقصورة على هذه المنطقة في الفم، والتذوق أقوى انفعالات النفس في استقبال المذاق لذلك يقولون في الأمثال اللي يفوت من اللسان بقي نتان. وتأمل، كيف استعمل الحق سبحانه الإذاقة في مجال العذاب حين ضرب لنا هذا المثل:
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
[النحل: 112]. فذكر الإذاقة مع أن اللباس يستوعب الجسم كله، وكذلك الجوع والخوف، فكل منهما إحساس يستولي على الإنسان كله، ومع ذلك قال
فأذاقها..
[النحل: 112] لأن الإذاقة أقوى أنواع الإدراك. وكلمة ﴿ منه.. ﴾ [الروم: 33] أي: من الله تعالى، يعني بلا أسباب، أو ﴿ أذاقهم منه.. ﴾ [الروم: 33] أي: بدل الضر برحمة، وخلصهم من الضر برحمة، كما أن الإذاقة وإن دلت على الانفعال الشديد للمستقبل، فإنها أيضا تدل على التناول الخفيف بلطف، كما تقول: ذقت الطعام. أو تقول: والله ما ذقت لفلان طعاما يعني: ما أكلت عنده من باب أو أولى. لذلك الحق سبحانه وتعالى عبر عن الرحمة هنا بالإذاقة لأن رحمة الدنيا لا تستوعب كل رحمة الله، فالقليل منها في الدنيا، وجلها في الآخرة. ونلحظ في قوله تعالى: ﴿ إذا فريق منهم بربهم يشركون ﴾ [الروم: 33]، أما في الآية الأخرى: