30.39
الحق - سبحانه وتعالى - يعرف أن خلقه يفعلون الخير، ويطلبون الأجر عليه، لكن هذا الطلب قد يضيع إذا راءوا في أعمالهم، وقد يكون الأجر على قدر العمل إذا خلا من الرياء، لكن الحق سبحانه يريد أن يرتفع بالصدقة أو بالزكاة إلى مستوى عال، فيأخذ صاحبها الثمن من يد الله سبحانه مضاعفا، وطلب الزيادات يكون في النية. فالمؤمن مثلا يعلم أنه إذا حيي بتحية فعليه أن يردها بخير منها، فقد يأتي فقير ويقدم لأحد الأغنياء هدية على قدر استطاعته، وفي نيته أن يردها الغني بما يناسب غناه، إذن: فهو حين أعطى يطمع في الزيادة، وإن كانت غير مشروطة، ويجوز أن يرد الغني على الهدية بأفضل منها، ويجوز ألا يردها أصلا. فقوله تعالى: ﴿ ومآ آتيتم من ربا.. ﴾ [الروم: 39] أي: الزيادة بأي ألوانها عما تعطي، وهذه الزيادة غير مشروطة في عقد، والزيادة تكون في المال، أو بأي وسيلة أخرى فيها نفع لأنهم قالوا في تعريف الربا: كل قرض جر نفعا فهو ربا. حتى أن الإمام أبا حنيفة كان يجلس في ظل جدار لجاره، فلما طلب منه جاره مالا وأقرضه رآه الجار لا يجلس في ظل الجدار كما كان يجلس، فسأله عن ذلك فقال: كنت أجلس في ظل جدارك وأعلم أنه تفضل منك، أما الآن فأخاف أن أجلس فيه حتى لا تظن أن هذه الجلسة للمال الذي أخذته مني. فالمعنى: وما آتيتم من ربا تبغون به الزيادة سواء أكانت نفعا، أو مالا، أو غير مال، سواء أكانت مشروطة أو غير مشروطة. قالوا: فما حكم الهدايا إن ردت بأحسن منها؟ وما ذنبي أنا المعطي في ذلك؟ قالوا: لا شيء فيها بشرط ألا تكون في نيتك الزيادة، وألا تكون هديتك مشروطة، إنما تكون تحببا وتوددا ومعروفا بين الناس، إنما لا تأخذ عليها ثوابا من الله. وقوله ﴿ ليربو في أموال الناس.. ﴾ [الروم: 39] في هنا للظرفية، فالمال ظرف، وما تضعه فيه ينقص منه، ويزيد ما عندك ﴿ فلا يربو عند الله.. ﴾ [الروم: 39] يربو عندك أنت بالزيادة التي تأخذها ممن حييته، أما عند الله فلا يربو. هكذا قال ابن عباس، وإن كان بعض العلماء قال: هي مطلق في الربا الأصل، وهذه مسألة كان يجب أن يشرع لها، لكن رأى ابن عباس أن آية الربا معروفة، وهذه للربا في زيادات التحية والمجاملات بين الناس. ثم يقول سبحانه: ﴿ ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك.. ﴾ [الروم: 39] أي: الذين يؤتون الزكاة ويريدون بها وجه الله ﴿ هم المضعفون ﴾ [الروم: 39] ليست من الإضعاف، إنما من الأضعاف، فالزكاة أضعاف بالفتح كما في قوله تعالى:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له..
[الحديد: 11] أما الربا فإضعاف بالكسر. وهذه المسألة وقف عندها بعض المستشرقين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله، قالوا: في القرآن آيات تصادم الحديث النبوي، فالقرآن يقول:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له..
[الحديد: 11]. إذن: القرض الحسن يضاعف به الله الثواب، وعندكم أن الحسنة بعشر أمثالها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر "
فلو أن القرض الحسن يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فهو بعشرين لا بثمانية عشر. فقلنا له: لو تصدقت بدولار مثلا فقد عملت حسنة تضاعف لك إلى عشر، لكن أرد إليك دولارك الذي تصدقت به؟ لا، إذن حقيقة الأمر أنك أخذت تسعة تضاعف إلى ثمانية عشر. قالوا: فلماذا زاد ثواب القرض؟ نقول: لأن المتصدق حين يتصدق ينقطع أمله فيما قدم، لكن المقرض لا يزال معلق البال في القرض ينتظر رده، فكلما صبر عليه أخذ أجرا، ثم إن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما المتصدق عليه فقد يقبل الصدقة وهو غير محتاج إليها، وربما كان ممن يكنزون المال. إذن: فالحق سبحانه يريد أن ينمي القرض لماذا؟ قالوا: لأن الله يريد أن تسير حركة الحياة، وأن تتكامل، وأنت تعتز بمالك وتخاف عليه وتريد له النماء، وسوف تجد هذا كله في القرض، فاجعله قرضا، فهو الباب الذي فتحه الله لك للزيادة وللثواب. ثم إن الله تعالى احترم ملكيتك لمالك، وحرص على حمايته لك، فقال: