تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحر إلى الرزق أسبابه

ولا تشغلن بعدها بالكا

فإنك تجهل عنوانه

ورزقك يعرف عنوانكا

ثم يقول سبحانه: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ [الروم: 37] قال لقوم يؤمنون لأن مسألة الرزق هذه تحتاج إلى إيمان بحكمة الرازق سبحانه في الإعطاء وفي المنع. ونلحظ على أسلوب الآية قوله تعالى في البسط: ﴿ لمن يشآء.. ﴾ [الروم: 37] وفي التضييق ﴿ ويقدر.. ﴾ [الروم: 37] ولم يقل لمن يشاء لأن البسط في نظرنا شيء محبوب نفرح له ونتمناه فقال ﴿ لمن يشآء.. ﴾ [الروم: 37] لنطمئن نحن إلى أننا سندخل في هؤلاء الذين سيبسط لهم في الرزق، أما في التقتير فلم يقل لمن ليظل مبهما يستبعده كل منا عن نفسه ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿ فآت ذا القربى حقه... ﴾.

30.38

حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولا البسط في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكد بعده مباشرة على حق ذي القربى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على من بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى من كان في خصاصه، وضيق عليه رزقه، فلا ينسى هؤلاء. لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ﴾ [الروم: 38] والجميع: من بسط له، ومن قتر عليه يريدون وجه الله. وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة:

إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم

[التوبة: 60]. فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيرا ما يسألون: لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئا من زكاة مالي؟ وكنت أقول للسائل: والله، لو علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك لأن للقريب حقا، سواء أكنت غنيا تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد النصاب. إذن: لا تربط هؤلاء الثلاثة - القريب والمسكين وابن السبيل - بمسألة الزكاة، فلهم حق حتى على الفقير الذي لا يملك نصابا، وعلى من ضيق عليه رزقه. ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلا بعض الناس لا ينجب ذكورا، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع أن البنت لها نصف التركة، وإن كن أكثر من واحدة فلهن الثلثان، ويوزع الثلث على العم أو ابن العم ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس لهن ذكر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم. والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك، فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات، وليس لهن ميراث يعدن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع من التغفيل. لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟ إياك - إذن - أن تدخل الأقارب في الزكاة، أو تربط مساعدتهم بالقدرة لأن لهم عليك حقا حال رخائك وحال شدتك. ويكفي أن الحق سبحانه خصهم بقوله ﴿ ذا القربى.. ﴾ [الروم: 38] ولم يقل: ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة ذو بمعنى صاحب، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الواسع وتمكن منه، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخلق صفة ملازمة له لا تنفك عنه.

ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقا لك لا ينفك عنك، فيجب أن تراعي حقه عليك، فتجعل له نصيبا، حتى إن لم تكن تملك نصابا، وكذلك للمسكين وابن السبيل لأن الله ذكرهم معا في غير بند الزكاة، فدل ذلك على أن لهم حقا غير الزكاة الواجبة. ونلحظ أن القرآن رتبهم حسب الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوما ولا تراه بعد ذلك، فهو حسب موضعه من الحال. والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق فيوسع الله عليه، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي القربى لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات. ثم قال ﴿ حقه.. ﴾ [الروم: 38] فالحق ملازم له وهو أولى به، لذلك لم يقل مثلا: وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم. وقد مثلوا لذلك بقولهم: قال الأمير: يدخل علي فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ذلك الباقون. إذن: لهؤلاء الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أن تعطيهم من لحمك، وألا تربطهم بالزكاة ولا ببسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون للزكاة فلم يلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة. ولما حدث نقاش بين العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر؟ قالوا: المسكين من له مال، ولكن لا يكفيه، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى بقوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٢