تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلم ءادم الأسمآء كلها..

[البقرة: 31] هذا كلام منطقي استقرائي يدل دلالة قاطعة على صدق آيات القرآن. وقوله سبحانه: ﴿ ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون ﴾ [الروم: 20] ثم: أي بعد أن خلقنا الله من تراب تكاثر الخلق وتزايدوا بسرعة لأن السياق استعمل هنا إذا الفجائية الدالة على الفجأة، والتي يمثلون لها بقولهم: خرجت فإذا أسد بالباب، يعني: فاجأني، فالمعنى أنكم تتزايدون وتنتشرون في الأرض بسرعة، ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم... ﴾.

30.21

قلنا: إن الآية هي الشيء العجيب الذي يقف عنده العقل مندهشا دهشة تورث إعجابا، وإعجابا يورث يقينا بحكمة الخالق. من هذه الآيات العجيبة الباهرة ﴿ أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا.. ﴾ [الروم: 21] يعني: من جنسكم ونوعكم. فلم يشأ سبحانه أن يحدث التكاثر مثلا بين إنسان وبقرة، لا إنما إنسان مع إنسان، يختلف معه فقط في النوع، هذا ذكر وهذه أنثى، والاختلاف في النوع اختلاف تكامل، لا اختلاف تعاند وتصادم، فالمرأة للرقة والليونة والحنان، والرجل للقوة والخشونة، فهي تفرح بقوته ورجولته، وهو يفرح بنعومتها وأنوثتها، فيحدث التكامل الذي أراده الله وقصده للتكاثر في بني الإنسان. وعجيب أن يرى البعض أن الذكورة نقيض الأنوثة، ويثيرون بينهما الخلاف المفتعل الذي لا معنى له، فالذكورة والأنوثة ضرورتان متكاملتان كتكامل الليل والنهار، وهما آيتان يستقبلهما الناس جميعا، هل نجري مقارنة بين الليل والنهار.. أيهما أفضل؟ لذلك تأمل دقة الأداء القرآني حينما جمع بين الليل والنهار، وبين الذكر والأنثى، وتدبر هذا المعنى الدقيق:

والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى

[الليل: 1-4] أي: مختلف، فلكل منكما مهمته، كما أن الليل للراحة، والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكامل سعيكما ينشأ التكامل الأعلى. فلا داعي إذن لأن أطلب المساواة بالمرأة، ولا أن تطلب المرأة المساواة بالرجل، لقد صدعت رءوسنا من هؤلاء المنادين بهذه المساواة المزعومة، والتي لا معنى لها بعد قوله تعالى

إن سعيكم لشتى

[الليل: 4]. وعجيب أن نسمع من يقول - من الرجال - ينبغي للمرأة أن تحتل مكان الرجل، وأن تؤدي ما يؤديه، ونقول: لا تستطيع أن تحمل المرأة مهمة الرجل إلا إذا حملت الرجل مهمة المرأة، فيحمل كما تحمل، ويلد كما تلد، ويرضع كما ترضع، فدعونا من شعارات البلطجية الذين يهرفون بما لا يعرفون. ومثل هذا قوله تعالى:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم..

[التوبة: 128] أي: من جنسكم وبشريتكم، فهو نفس لها كل طاقات البشر، ليكون لكم أسوة، ولو جاء الرسول ملكا لما تحققت فيه الأسوة، ولقلتم هذا ملك، ونحن لا نقدر على ما يقدر هو عليه. أو

من أنفسكم..

[التوبة: 128] يعني: من العرب ومن قريش. والبعض يرى أن

من أنفسكم..

[التوبة: 128] يعني: خلق حواء من ضلع آدم، فهي من أنفسنا يعني: قطعة منا، لكن الكلام هنا

من أنفسكم..

[التوبة: 128] مخاطب به الذكر والأنثى معا، كما أن الأزواج تطلق عليهما أيضا، على الرجل وعلى المرأة، والبعض يفهم أن الزوج يعني اثنين، لكن الزوج مفرد معه مثله لذلك يقول تعالى:

ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين..

[الرعد: 3]. وفي الماضي كنا نعتقد أن نوع الجنين إنما يتحدد من ماء الرجل وماء المرأة، لكن القرآن يقول غير ذلك:

ألم يك نطفة من مني يمنى

[القيامة: 37] فماء المرأة لا دخل له في نوع الجنين، ذكرا كان أم أنثى، الذكورة والأنوثة يحددها ماء الرجل. وهذا ما أثبته العلم الحديث، وعلى هذا نقول ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجا.. ﴾ [الروم: 21] يعني: من ذكور الأزواج، خلق منك ميكروبا هو الإكس أو الإكس واي كما اصطلح عليه العلم الحديث، وهو يعني الذكورة والأنوثة. وسبق أن ذكرنا في هذه المسألة قصة أبي حمزة الرجل العربي الذي تزوج على امرأته لأنها لا تنجب البنين، وهجرها لهذا السبب فقالت بما لديها من سليقة عربية، وقولها دليل على علم العرب قديما بهذه الحقيقة التي أثبتها العلم مؤخرا، قالت:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٢٨