لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 40]. فالحق سبحانه ينفي هنا أن يسبق الليل النهار، فلماذا؟ قالوا: يعتقدون أن الليل سابق النهار، ألا تراهم يلتمسون أول رمضان بليله لا بنهاره؟ وما داموا يعتقدون أن الليل سابق النهار، فالمقابل عندهم أن النهار لا يسبق الليل، هذه قضية أقرها الحق سبحانه لذلك لم يعدل فيها شيئا إنما نفى الأولى
ولا اليل سابق النهار..
[يس: 40]. إذن: نفى ما كانوا يعتقدونه
ولا اليل سابق النهار..
[يس: 40] وصدق على ما كانوا يعتقدونه من أن النهار لا يسبق الليل. فنشأ عن هذه المسألة: لا الليل سابق النهار، ولا النهار سابق الليل، وهذا لا يتأتى إلا إذا وجدوا في وقت واحد، فما واجه الشمس كان نهارا، وما لم يواجه الشمس كان ليلا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا... ﴾.
30.24
نلحظ في تذييل الآيات مرة يقول سبحانه:
لقوم يتفكرون
[الروم: 21] ومرة
للعالمين
[الروم: 22] ومرة
لقوم يسمعون
[الروم: 23] أو ﴿ لقوم يعقلون ﴾ [الروم: 24] فتختلف الأدوات الباحثة في الآيات. والبعض يظن أن العقل آلة يعملها في كل شيء، فالعقل هو الذي يصدق أو لا يصدق، والحقيقة أنك تستعمل العقل في مسألة الدين مرة واحدة تغنيك عن استعماله بعد ذلك، فأنت تستعمل العقل في أن تؤمن أو لا تؤمن، فإن هداك العقل إلى أن الكون له إله قادر حكيم خالق لا إله إلا هو ووثقت بهذه القضية، فإنها لا تطرأ على تفكيرك مرة أخرى، ولا يبحثها العقل بعد ذلك، ثم إنك في القضايا الفرعية تسير فيها على وفق قضية الإيمان الأولى فلا تحتاج فيها للعقل. لذلك العقلاء يقولون: العقل كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان، لكن لا تدخل معك عليه، وهكذا العقل أوصلك إلى الإيمان ثم انتهى دوره، فإذا ما سمعت قال الله فأنت واثق من صدق القول دون أن تعمل فيه العقل. وحين يقول سبحانه: يعقلون يتفكرون يعلمون، حين يدعوك للتدبر والعظة إنما ينبه فيك أدوات المعارضة لتتأكد، والعقل هنا مهمته النظر في البدائل وفي المقدمات والنتائج. كما لو ذهبت مثلا لتاجر القماش فيعرض عليك بضاعته: فهذا صوف أصلي، وهذا قطن خالص، ولا يكتفي بذلك إنما يريك جودة بضاعته، فيأخذ فتلة من الصوف، و فتلة من القطن، ويشعل النار في كل منهما لترى بنفسك، فالصوف لا ترعى فيه النار على خلاف القطن. إذن: هو الذي ينبه فيك وسائل النقد، ولا يفعل ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته، أما الآخر الذي لا يثق في جودة بضاعته فإنه يلجأ إلى ألاعيب وحيل يغري بها المشتري ليغره. كذلك الخالق - عز وجل - ينبهنا إلى البحث والتأمل في آياته فيقول: تفكروا تدبروا، تعقلوا، كونوا علماء واعين لما يدور حولكم، وهذا دليل على أننا لو بحثنا هذه الآيات لتوصلنا إلى مطلوبه سبحانه، وهو الإيمان. والبرق: ظاهرة من ظواهر فصل الشتاء، حيث نسمع صوتا مدويا نسميه الرعد، بعد أن نرى ضوءا شديدا يلمع في الجو نسميه برق، وهو عامل من عوامل كهربة الجو التي توصل إليها العلم الحديث، لكن قبل ذلك كان الناس عندما يرون البرق لا يفهمون منه إلا أحد أمرين: إما أن يأتي بصاعقة تحرقهم، أو ينزل عليهم المطر، فيخافون من الصاعقة ويرجون المطر. ﴿ ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء مآء.. ﴾ [الروم: 24] ليظل العبد دائما مع ربه بين الخوف والرجاء. لكن أكل الناس يرجون المطر؟ هب أنك مسافر أو مقيم في بادية ليس لك كن تكن فيه، ولا مأوى يأويك من المطر، فهذا لا يرجو المطر ولا ينتظره، لذلك من رحمته تعالى أن يغلب انفعال الطمع في الماء الذي به تحيا الأرض بالنبات.
﴿ وينزل من السمآء مآء فيحيي به الأرض بعد موتها.. ﴾ [الروم: 24] وكلمة السماء لها مدلولان: مدلول غالب، وهي السماوات السبع، ومدلول لغوي، وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا هو المعنى المراد هنا ﴿ وينزل من السمآء مآء.. ﴾ [الروم: 24] لأن المطر إنما ينزل من السحاب، فالسماء هنا تعني: كل ما علاك فأظلك. ولو تأملت الماء الذي ينزل من السماء لوجدته من سحاب متراكم