تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الروم: 4-5] وقال سبحانه:

فرحين بمآ آتاهم الله..

[آل عمران: 170] وقال:

فبذلك فليفرحوا..

[يونس: 58]. فأثبت لهم الفرح المقبول، وهو الفرح الذي يعقبه قولنا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ثم تشكر الله الذي أنعم عليك، أما الفرح المكروه فهو الفرح الذي يورثك بطرا وأشرا وكبرا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم... ﴾.

30.40

سبق أن قلنا: إن قضية الخلق مسلم بها لأنها قضية لم يدعها أحد لنفسه مع كثرة المتبجحين بالكفر والإلحاد لذلك لما ادعاها النمروذ الذي حاج إبراهيم في ربه فقال: أنا أحيي وأميت، فعلم إبراهيم عليه السلام أنه يريد اللجاج والسفسطة التي لا طائل منها، وإلا فكيف يكون الأمر بقتل واحد إماتة، والأمر بترك الآخر والعفو عنه إحياء؟ ثم ما بال الذين خلقوا قبلك وميلادهم قبل ميلادك؟ إذن: أنت لم تخلق ولم تحي أحدا، وسبق أن بينا الفرق بين القتل والموت مع أنهما يشتركان في إنهاء الحياة وإزهاق الروح، لكن الموت يكون بإزهاق الروح أولا، يتبعه نقض البنية وتحطم الجسم. أما القتل فينقض البنية أولا نقضا يترتب عليه إزهاق الروح فالروح لا تقيم إلا في بنية سليمة، ومثلنا لذلك بلمبة الكهرباء حين تحرق فينطفىء نورها، فهل يعني ذلك أن التيار انقطع عنها؟ لا بل هو موجود لكنه يحتاج لبنية سليمة بدليل أننا إذا استبدلنا اللمبة تضيء. والحق - سبحانه وتعالى - يبين لنا هذا الفرق في قوله سبحانه:

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..

[آل عمران: 144] إذن: فالنمروذ لا يحيي، بل يبقي على الحياة، ولا يميت بل يقتل ويزهق الروح. وكان بمقدور إبراهيم عليه السلام أن يرد عليه هذه الحجة، وأن يكشف تزييفه، لكنه أراد أن يأخذه إلى ميدان آخر لا يستطيع التلفيق فيه ولا التمحك، فقال له:

فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر..

[البقرة: 258]. كذلك مسألة الرزق فهي مسلمة لله لم يدعها أحد: ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم.. ﴾ [الروم: 40]. بدليل أن الله تعالى جعل بعض المناطق جدباء، يجوع فيها القادر والعاجز، ويجوع فيها ذو المال وغير ذو المال، ولو كان هناك رازق غير الله فليحي هذه المناطق الجدباء. وقوله تعالى: ﴿ ثم يميتكم ثم يحييكم.. ﴾ [الروم: 40] ولم يقل: يقتلكم ﴿ هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء.. ﴾ [الروم: 40] أي: اسألهم هذا السؤال، ودعهم يجيبون هم عليه: أتستطيع الأصنام التي تشركونها مع الله أن تفعل شيئا من الخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة؟ أفي قدرتها شيء من ذلك وأنتم الذين تصنعونها وتنحتون حجارتها بأيديكم، وتصورونها كما تشاؤون، فإذا هبت عاصفة أطاحت بها وربما كسرت ذراع أحد الأصنام فتجتمعون لإقامتها وإصلاحها؟ فأين عقولكم؟ وما هذه الخيبة التي أصابتكم؟ لذلك يقول سبحانه عنهم:

والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون

[النحل: 20]. ويقول سبحانه:

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له..

[الحج: 73] بل وأكثر من ذلك

وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب

[الحج: 73]. بالله، أيستطيع أحد أن يسترد ما أخذته منه الذبابة؟ ونلحظ في الآية تكرار من وهي للتبعيض: ﴿ هل من شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء.. ﴾ [الروم: 40] والمعنى: لا يستطيع أحد من شركائكم أن يفعل شيئا ولو هينا من الخلق، أو الرزق، أو الإحياء، أو الإماتة. لذلك يجب أن تعلقوا على هذه القضايا من الله بقول واحد ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [الروم: 40] لا تعليق إلا هذا. لذلك لما تكلم سيدنا إبراهيم عن الأصنام قال:

فإنهم عدو..

[الشعراء: 77] أي: أنتم وما تعبدون من دون الله لأنهم كانوا يشركون آلهتهم مع الله، فالله سبحانه داخل في هذه الشركة لذلك استثناه ربه

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٨