تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30.22

في خلق السماوات والأرض آيات أظهرها لنا كما قال في موضع آخر إنها تقوم على غير عمد:

خلق السماوات بغير عمد ترونها..

[لقمان: 10]. فالسماء التي ترونها على امتداد الأفق تقوم بغير أعمدة، ولكم أن تسيروا في الأرض، وأن تبحثوا عن هذه العمد فلن تروا شيئا. أو

بغير عمد ترونها..

[لقمان: 10] يعني: هي موجودة لكن لا ترونها. والمنطق يقتضي أن الشيء العالي لا بد له إما من عمد تحمله من أسفل، أو قوة تمسكه من أعلى لذلك ينبغي أن نجمع بين الآيات لتكتمل لدينا هذه الصورة، فالحق سبحانه يقول في موضع آخر:

إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا..

[فاطر: 41]. إذن: ليست للسماء أعمدة، إنما يمسكها خالقها - عز وجل - من أعلى، فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، ولا تتعجب من هذه المسألة، فقد أعطانا الله تعالى مثالا مشاهدا في قوله سبحانه:

ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ما يمسكهن إلا الله..

[النحل: 79]. فإن قلت: يمسكها في جو السماء حركة الجناحين ورفرفتها التي تحدث مقاومة للهواء، فترتفع به، وتمسك نفسها في الجو، نقول: وتمسك أيضا في جو السماء بدون حركة الجناحين، واقرأ إن شئت قوله تعالى:

أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن..

[الملك: 19]. فترى الطير في السماء مادا جناحيه ثابتا بدون حركة، ومع ذلك لا يقع على الأرض ولا يمسكه في جو السماء إذن إلا قدرة الله. إذن: خذ مما تشاهد دليلا على صدق ما لا تشاهد لذلك يقول سبحانه:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57] مع أنها خلقت لخدمة الإنسان. فمع أنك أيها الإنسان مظهر من مظاهر قدرة الله، وفيك انطوى العالم الأكبر، إلا أن عمرك محدود لا يعد شيئا إذا قيس بعمر الأرض والسماء والشمس والقمر.. الخ. ثم يعود السياق هنا إلى آية من آيات الله في الإنسان: ﴿ واختلاف ألسنتكم وألوانكم.. ﴾ [الروم: 22] اللسان يطلق على اللغة كما قال تعالى

بلسان عربي مبين

[الشعراء: 195] وقال:

لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين

[النحل: 103]. ويطلق أيضا على هذه الجارحة المعروفة، وإنما أطلق اللسان على اللغة لأن أغلبها يعتمد على اللسان وعلى النطق، مع أن اللسان يمثل جزءا بسيطا في عملية النطق، حيث يشترك معه في النطق الفم والأسنان والشفتان والأحبال الصوتية.. إلخ، لكن اللسان هو العمدة في هذه العملية. إذن: فاختلاف الألسنة يعني اختلاف اللغات. وسبق أن قلنا: إن اللغة ظاهرة اجتماعية يكتسبها الإنسان من البيئة المحيطة به، وحين نسلسلها لا بد أن نصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، وقلنا: إن الله تعالى هو الذي علمه اللغة حين علمه الأسماء كلها، ثم يتخذ آدم وذريته من بعده هذه الأسماء ليتفاهموا بها، وليضيفوا إليها أسماء جديدة.

لذلك نرى أولادنا مثلا حينما نريد أن نعلمهم ونرقيهم نعلمهم أولا أسماء الأشياء قبل أن يتعلموا الأفعال لأن الاسم أظهر، ألا ترى أن الفعل والحدث يدل عليه باسم، فكلمة فعل هي ذاتها اسم. لكن، كيف ينشأ اختلاف اللغات؟ لو تأملنا مثلا اللغة العربية نجدها لغة واحدة، لكن بيئاتها متعددة: هذا مصري، وهذا سوداني، وهذا سوري، مغربي، عراقي... الخ نشترك جميعا في لغة واحدة، لكن لكل بيئة لهجة خاصة قد لا تفهم في البيئة الأخرى، أما إذا تحدثنا جميعا باللغة العربية لغة القرآن تفاهم الجميع بها. أما اختلاف اللغات فينشأ عن انعزال البيئات بعضها عن بعض، هذا الانعزال يؤدي إلى وجود لغة جديدة، فمثلا الإنجليزية والفرنسية والألمانية و... الخ ترجع جميعها إلى أصل واحد هو اللغة اللاتينية، فلما انعزلت البيئات أرادت كل منها أن يكون لها استقلالية ذاتية بلغة خاصة بها مستقلة بألفاظها وقواعدها. أو ﴿ واختلاف ألسنتكم.. ﴾ [الروم: 22] يعني: اختلاف ما ينشأ عن اللسان وغيره من آلات الكلام من أصوات مختلفة، كما نرى الآن في آخر صيحات علم الأصوات أن يجدوا للصوت بصمة تختلف من شخص لآخر كبصمة الأصابع، بل بصمة الصوت أوضح دلالة من بصمة اليد. ورأينا لذلك خزائن تضبط على بصمة صوت صاحبها، فساعة يصدر لها صوتا تفتح له. ومن العجيب والمدهش في مجال الصوت أن المصوتات كثيرة منها: الجماد كحفيف الشجر وخرير الماء، ومنها: الحيوان، نقول: نقيق الضفادع وصهيل الخيل، ونهيق الحمار، وثغاء الشاة، ورغاء الإبل.. الخ لكن بالله أسألك: لو سمعت صوت حمار ينهق، أتستطيع أن تقول هذا حمار فلان؟ لا، لأن كل الأصوات من كل الأجناس خلا الإنسان صوتها واحد لا يميزه شيء. أما في الإنسان، فلكل منا صوته المميز في نبرته وحدته واستعلائه أو استفاله، أو في رقته أو في تضخيمه.. الخ. فلماذا إذن تميز صوت الإنسان بهذه الميزة عن باقي الأصوات؟ قالوا: لأن الجماد والحيوان ليس لهما مسئوليات ينبغي أن تضبط وأن تحدد كما للإنسان، وإلا كيف نميز المجرم حين يرتكب جريمته ونحن لا نعرف اسمه، ولا نعرف شيئا من أوصافه؟ وحتى لو عرفنا أوصافه فإنها لا تدلنا عليه دلالة قاطعة تحدد المسئولية ويترتب عليها الجزاء. وقال سبحانه بعدها ﴿ وألوانكم.. ﴾ [الروم: 22] فاختلاف الألسنة والألوان ليحدث هذا التميز بين الناس، ولأن الإنسان هو المسئول خلق الله فيه اختلاف الألسنة والألوان لنستدل عليه بشكله: بطوله أو قصره أو ملابسه... إلخ. وفي ذلك ما يضبط سلوك الإنسان ويقومه حين يعلم أنه لن يفلت بفعلته، ولا بد أن يدل عليه شيء من هذه المميزات.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٣١