لينفق ذو سعة من سعته..
[الطلاق: 7] بالكسر، إنما بالسكون، لأنها موصولة بما قبلها. وكلمة ﴿ فسوف تعلمون ﴾ [الروم: 34] تدل على التراخي واستيعاب كل المستقبل، سواء أكان قريبا أم بعيدا، فهي احتياط لمن سيموت بعد الخطاب مباشرة، أو سيموت بعده بوقت طويل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا... ﴾.
30.35
كلمة أم لا تأتي بداية لأنها أداة تفيد التخيير بين أمرين، كما تقول: أجاء زيد أم عمرو؟ فلا بد أن تأتي بين متقابلين، والتقدير: أهم اتبعوا أهواءهم، أم عندهم كتاب أنزل إليهم فهو حجة لهم على الشرك؟ وحيث إنهم لم ينزل عليهم كتاب يكون حجة لهم فلم يبق إلا الاختيار الآخر أنهم اتبعوا أهواءهم. والفعل ﴿ أنزلنا.. ﴾ [الروم: 35] الإنزال يقتضي علو المنزل منه، وأن المنزل عليه أدنى، فالإنزال من علو الربوبية إلى ذل العبودية. ونحن لم نر الإنزال، إنما الذي تلقى القرآن أول مرة وباشر الوحي هو الذي رآه وأخبرنا به. والأصل في الإنزال أن يكون من الله تعالى، وحين ينزل الله علينا إنما ليعطينا سبحانه شيئا من هذا العلو، سواء أكان العلو معنويا لأن الله سبحانه ليس له مكان، أم علوا حسيا كما في
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..
[الحديد: 25]. والسلطان: من التسلط، وهي تدل على القوة، سواء أكانت قوة الحجة والبرهان، فمن أقنعك بالحجة والبرهان فهو قوي عليك، أو قوة قهر وإجبار كمن يرغمك على فعل شيء وأنت كاره، أما سلطان الحجة فتفعل وأنت راض ومقتنع. وإذا استقرأنا كلمة سلطان نجد أن الله تعالى عرضها لنا في موقف إبليس في الآخرة، حين يتبرأ من الذين اتبعوه:
وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..
[إبراهيم: 22]. أي: لم يكن لي عليكم سلطان حجة وإقناع أستحوذ به على قلوبكم، ولم يكن لي عليكم سلطان قهر، فأقهر به قوالبكم، والحقيقة أنكم كنتم على تشويرة مجرد أن دعوتكم جئتم مسرعين، وأطعتم مختارين. وهذا المعنى يفسر لنا شيئا في القرآن خاض الناس فيه طويلا - عن خبث نية أو عن صدق نية - هذا في قوله تعالى مرة لإبليس
ما منعك أن تسجد..
[ص: 75] ومرة أخرى:
ما منعك ألا تسجد..
[الأعراف: 12]. فالأولى تدل على سلطان القهر، كأنك كنت تريد أن تسجد فجاء من منعك قهرا عن السجود، والأخرى تدل على سلطان الحجة والإقناع، فلم تسجد وأنت راض ومقتنع بعدم السجود. وقوله تعالى: ﴿ فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ [الروم: 35] أي: ينطق بما كانوا به يشركون، يقول: اعملوا كذا وكذا، فجاء هذا على وفق هواهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذآ أذقنا الناس رحمة... ﴾.