تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30.27

كثيرا ما يحدثنا القرآن الكريم عن هذه المسألة ويذكرنا بالبدء والإعادة، لماذا؟ يهتم القرآن بهذه المسألة ويؤكد عليها لأنها كانت الأساس في دعوته لأنهم إن كانوا يؤمنون بأنهم يرجعون إلى الله لخافوا من عقابه لذلك يؤكد لهم في مواضع كثيرة حتمية الإعادة وأنها حق. قوله تعالى: ﴿ وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده.. ﴾ [الروم: 27] استهلت الآية بقوله تعالى وهو وفي آية أخرى

الله يبدأ الخلق ثم يعيده..

[الروم: 11] فكأن هو مدلولها الله وهو كما نعلم ضمير غيبة، والحق سبحانه غيب عن الأنظار، ومن عظمته سبحانه أنه غيب، فلو كان مدركا محسا ما استحق أن يكون إلها، وكيف نطمع في إدراكه سبحانه ونحن لا نستطيع أن ندرك بعض مخلوقاته؟ فالمعاني التي خلقها الله لتسوس حركة الحياة: كلمة الحق، العدل، الحق الذي يقف القضاء كله ليؤيده ويعلنه، والعدل الذي يحكم موازين الحياة ليوازن بين الشهوات وبين الحقائق، هذه المعاني لا تدرك بالحواس، فهل رأيتم العدل؟ هل سمعتم العدل؟ هل شممتم العدل؟... الخ. إذن: فالمعاني العالية لا يمكن أن تدرك لأنها أرفع من الإدراك لأن بها يكون الإدراك، أيكون المخلوق للحق أسمى من أن يدرك، ويكون الحق سبحانه موضعا للإدراك. فإذا سمعت هو فاعلم أنها لا تنصرف إلا إلى الإله الواحد الذي من عظمته أنه لا يدرك

لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار..

[الأنعام: 103]. لذلك نقرأ في سورة الإخلاص

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] فترى أن الله لفظ الجلالة، وهو علم على واجب الوجود يأتي بعد هو فكأن هو أدل على وجود الحق سبحانه من لفظ الجلالة الله، فكأنه لا يصح حين يطلق ضمير الغيبة هو على شيء إلا الله لأنه لا شيء في الكون إلا الله. وقوله تعالى هنا ﴿ وهو الذي يبدؤا الخلق... ﴾ [الروم: 27] بالفعل المضارع الدال على الاستمرارية، مع أنه سبحانه بدأ الخلق بالفعل

كما بدأكم تعودون

[الأعراف: 29] فإن ذكرت الأولى فقد بدأ الخلق، وإن ذكرت الاستمرارية في الإيجاد فهو يبدأ دائما، وفي كل وقت ترى في خلق الله شيئا جديدا، فالخلق لم يأت مرة واحدة، ثم توقف، بل بدأ ثم استمر. ونلحظ أن القرآن يذكر هذه المسألة مرة بالماضي بدأ ومرة بالمضارع يبدأ لأن الخالق سبحانه بدأ الخلق فعلا بخلق آدم عليه السلام الإنسان الأول:

الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين

[السجدة: 7] ولا يزال سبحانه بقيوميته خالقا، يبدأ كل يوم وكل لحظة خلقا جديدا نشاهده في الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات.. الخ. وبالخلق المتجدد للإنسان، حيث يولد كل لحظة مولود جديد نرد على الذين يقولون بتناسخ الأرواح - يعني: أن الروح تخرج من جسد فتحل في جسد آخر - وهذا يعني أن تكون المواليد على قدر الوفيات، ويعني أن يظل العالم على تعداد واحد دون زيادة، ونحن نرى الآن مدى الكثافة السكانية التي يشكو العالم منها الآن، وهذه تكفي لهدم هذه النظرية.

والحق سبحانه يحذرنا أن نأخذ قصة بدء الخلق من غير الخالق سبحانه، فمن الناس مضلون سيضلونكم في هذه المسألة، فلا تصغون إليهم لأن الله يقول:

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51]. وقد رأينا من هؤلاء المضلين من يقول بأن الإنسان أصله قرد متطور إلى إنسان، والرد على هذه الضلالات يسير، فإذا كان القرد تطور إلى إنسان، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا لم يتطور الإنسان منذ أن خلق آدم وحتى الآن إلى شيء آخر؟ وكيف نصدق هذه الضلالات، وربنا سبحانه يقول:

ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون

[الذاريات: 49]. ويقول سبحانه:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36] فإياك أن تقول: إن شيئا تطور عن شيء، فكل جنس قائم بذاته منذ خلقه الله. إذن: احذروا مثل هذه الأقوال، ولا تأخذوا قصة بدء الخلق إلا من الله وحده. كلمة ﴿ يعيده.. ﴾ [الروم: 27] أي: إلى الخلق فهي بمعنى يخلقه، فالمعنى: يبدأ الخلق ثم يميته ثم يعيده، البعض يظن أن يعيده يعني يبعثه في الآخرة، لكن الله تعالى يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٤٠