تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30.28

ضرب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان وللتوضيح وتقريب المسائل إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه:

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..

[البقرة: 26]. وقال سبحانه:

يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له..

[الحج: 73] فهذا كثير من كتاب الله، والمثل يضرب ليجلي حقيقة. والضرب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع إيجابي كما في قوله تعالى:

وآخرون يضربون في الأرض..

[المزمل: 20]. وقولنا في مسألة سك العملة: ضرب في كذا، فكأن الضرب يحدث في المضروب أثرا باقيا، ففي الأرض بإثارة دفائنها واستخراج كنوزها، وفي العملة بترك أثر بارز لا تمحوه الأيدي في حركة التداول، وكأن ضرب المثل يوضح الشيء الغامض توضيحا بينا كما تسك العملة، ويجعل الفكرة في الذهن قائمة واضحة المعالم. وللضرب عناصر ثلاثة: الضارب، والمضروب، والمضروب به. ويروى في مجال الأمثال أن رجلا خرج للصيد معه آلاته: الكنانة وهي جعبة السهام، والسهام، والقوس، فلما رأى ظبيا أخذ يعد كنانته وقوسه للرمي لكن لم يمهله الظبي وفر هاربا، فقال له آخر وقد رأى ما كان منه: قبل الرماء تملأ الكنائن، فصارت مثلا وإن قيل في مناسبة بعينها إلا أنه يضرب في كل مناسبة مشابهة، ويقال في أي موضع كما هو وبنفس ألفاظه دون أن نغير فيه شيئا. فمثلا، حين ترى التلميذ المهمل يذاكر قبيل الامتحان، وحين ترى من يقدم على أمر دون أن يعد له عدته لك أن تقول: قبل الرماء تملأ الكنائن. إذن: هذه العبارة صار لها مدلولها الواضح، وترسخت في الذهن حتى صارت مثلا يضرب. وتقول لمن تسلط عليك وادعى أنه أقوى منك: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا. والحق سبحانه يضرب لنا المثل للتوضيح ولتقريب المعاني للأفهام لذلك يقول سبحانه:

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..

[البقرة: 26] يقف هنا بعض المتمحكين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله، يقولون: ما دام الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا بالبعوضة فما فوقها من باب أولى، فلماذا يقول

فما فوقها..

[البقرة: 26]. وهذا يدل على عدم فهمهم للمعنى المراد لله عز وجل، فالمعنى: فما فوقها أي: في الغرابة وفي القلة والصغر، لا ما فوقها في الكبر. ومن الأمثلة التي ضربها الله لنا ليوضح لنا قضية التوحيد قوله تعالى:

ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون

[الزمر: 29]. فالذي يتخذ مع الله إلها آخر كالذي يخدم سيدين وليتهما متفقان، إنما متشاكسان مختلفان، فإن أرضى أحدهما أسخط الآخر، فهو متعب بينهما، فهل يستوي هذا العبد وعبد آخر يخدم سيدا واحدا؟ كذلك في عبادة الله وحده لا شريك له.

فبالمثال اتضحت القضية، ورسخت في الأذهان لذلك يقول سبحانه: أنا لا أستحي أن أضرب الأمثال لأنني أريد أن أوضح لعبادي الحقائق، وأبين لهم المعاني. ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم.. ﴾ [الروم: 28]. في هذه الآية وبهذا المثل يؤكد الحق - سبحانه وتعالى - في قمة تربية العقيدة الإيمانية، يؤكد على واحدية الله وعلى أحديته، فالواحدية شيء والأحدية شيء آخر: الواحدية أنه سبحانه واحد لا فرد آخر معه، لكن هذا الفرد الواحد قد يكون في ذاته مركبا من أجزاء، فوصف نفسه سبحانه بأنه أحد أي: ليس مركبا من أجزاء. أكد الله هذه الحقيقة في قرآنه بالحجج وبالبراهين، وضرب لها المثل. وهنا يضرب لنا مثلا من أنفسنا ليؤكد على هذه الوحدانية. وقوله تعالى: ﴿ من أنفسكم.. ﴾ [الروم: 28] يعني: ليس بعيدا عنكم، وأقرب شيء للإنسان نفسه، إذن: فأوضح مثل لما غاب عنك أن يكون من نفسك، ومن ذلك قوله تعالى:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم..

[التوبة: 128] أي: من جنسكم تعرفون نشأته، وتعرفون خلقه وسيرته. لكن، ما المثل المراد؟ المثل: ﴿ هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم.. ﴾ [الروم: 28]. يقول سبحانه: أريد أن أضرب لكم مثلا على أن الإله الواحد يجب عقلا ألا تشركوا به أشياء أخرى، والمثل أني أرزقكم، ومن رزقي لكم موال وعبيد، فهل جئتم للرزق الذي رزقكم الله وللعبيد وقلتم لهم: أنتم شركاء لنا في أموالنا تتصرفون فيها كما نتصرف نحن، ثم جعلتم لهم مطلق الحرية والتصرف، ليكونوا أحرارا أمثالكم تخافونهم في أن تتصرفوا دونهم في شيء كخيفتكم أنفسكم؟ هل فعلتم ذلك؟ بل هل تقبلونه على أنفسكم؟ إذن: لماذا تقبلونه في حق الله تعالى وترضون أن يشاركه عبيده في ملكه؟ إنكم لم تقبلوا ذلك مع مواليكم وهم بشر أمثالكم ملكتموهم بشرع الله فائتمروا بأمركم. هذا معنى ﴿ من أنفسكم.. ﴾ [الروم: 28] أي: من البشر، فهم مثلكم في الآدمية، وملكيتكم لهم ليست مطلقة، فأنتم تملكون رقابهم، وتملكون حركة حياتهم، لكن لا تملكون مثلا قتلهم، ولا تملكون منعهم من فضاء الحاجة، لا تملكون قلوبهم وإرادتهم، ثم هو ملك قد يفوتك، كأن تبيعه أو تعتقه أو حتى بالموت. ومع ذلك ما اتخذتموهم شركاء، فعيب أن تجعلوا لله ما تستنكفون منه لأنفسكم. ونلحظ هنا أن الله تعالى لم يناقشهم في مسألة الشركاء بأسلوب الخبر منه سبحانه، إنما اختار أسلوب الاستفهام وهو أبلغ في تقرير الحقيقة: ﴿ هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم.. ﴾ [الروم: 28]. وأنت لا تعدل عن الخبر إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك، فمثلا حين ينكر شخص جميلك فتقول مخبرا: فعلت معك كذا وكذا، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وقد ينكر فيقول: لا لم تفعل معي شيئا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٤٣