30.30
الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما دام الأمر كذلك، وما داموا قد اتبعوا أهواءهم وضلوا، وأصروا على ضلالهم، فدعك منهم ولا تتأثر بإعراضهم. كما قال له ربه:
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين
[الشعراء: 3]. وقال له:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. فما عليك يا محمد إلا البلاغ، واتركهم لي، وإياك أن يؤثر فيك عنادهم، أو يحزنك أن يأتمروا بك، أو يكيدوا لك، فقد سبق القول مني أنهم لن ينتصروا عليك، بل ستنتصر عليهم. وهذه قضية قرآنية أقولها، وتسجل علي:
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 171-173].
ولينصرن الله من ينصره..
[الحج: 40].
إن تنصروا الله ينصركم..
[محمد: 7]. هذه قضية قرآنية مسلم بها ومفروغ منها، وهي على ألسنتنا وفي قلوبنا، فإن جاء واقعنا مخالفا لهذه القضية، فقد سبق أن أكدها واقع الأمم السابقة، وسيحدث معك مثل ذلك لذلك يطمئن الحق نبيه صلى الله عليه وسلم:
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77]. فهنا ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا.. ﴾ [الروم: 30] أي: دعك من هؤلاء الضالين، وتفرغ لمهمتك في الدعوة إلى الله، وإياك أن يشغلوك عن دعوتك. ومعنى إقامة الوجه للدين يعني: اجعل وجهتك لربك وحده، ولا تلتفت عنه يمينا ولا شمالا، وذكر الوجه خاصة وهو يعني الذات كلها لأن الوجه سمة الإقبال. ومنه قوله سبحانه:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88] يعني: ذاته تعالى. ومعنى ﴿ حنيفا.. ﴾ [الروم: 30] هذه الكلمة من الكلمات التي أثارت تذبذبا عند الذين يحاولون أن يستدركوا على كلام الله لأن معنى الحنيف: مائل الساقين فترى في رجله انحناء للداخل، يقال: في قدمه حنف أي ميل، فالمعنى: فأقم وجهك للدين مائلا، نعم هكذا المعنى، لكن مائلا عن أي شيء؟ لا بد أن تفهم المعنى هنا، حتى لا تتهم أسلوب القرآن، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليصلح مجتمعا فاسدا منحرفا يدين بالشرك والوثنية، فالمعنى: مائلا عن هذا الفساد، ومائلا عن هذا الشرك، وهذه الوثنية التي جئت لهدمها والقضاء عليها، ومعنى: مال عن الباطل. يعني: ذهب إلى الحق. و أقم هنا بمعنى: أقيموا، لأن خطاب الرسول خطاب لأمته، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها:
منيبين إليه..
[الروم: 31] ولو كان الأمر له وحده لقال منيبا إليه، ومثال ذلك أيضا قوله تعالى:
يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن..
[الطلاق: 1]. فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله لأنه صلى الله عليه وسلم هو المبلغ، والمبلغ هو الذي يتلقى الأمر، ويقتنع به أولا ليستطيع أن يبلغه لذلك قال الحق سبحانه وتعالى:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..
[الأحزاب: 21]. وقال ﴿ حنيفا.. ﴾ [الروم: 30] لأن الرسل لا تأتي إلا على فساد شمل الناس جميعا لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية خلق فيه مناعة قيمية، فالإنسان تحدثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها، فيقع فيها، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويؤنبه ضميره، فيبكي على ما كان منه، وربما يكره من أعانه على المعصية. وهذه هي النفس اللوامة، وهي علامة وجود الخير في الإنسان، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من الذات. وفرق بين من تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه، ومن يرتب لها ويسعى إليها، وهذا بين في قوله تعالى:
إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب..
[النساء: 17]. فرق بين من يذهب إلى باريس لطلب العلم، فتعترض طريقه إحدى الفتيات، ومن يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء، فهذا وقع في المعصية رغما عنه، ودون ترتيب لها، وهذا قصدها وسعى إليها، الأول غالبا ما يؤنب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية، أما الآخر فقد ألفت نفسه المعصية واستشرت فيها، فلا بد أن تكون له مناعة، ليست من ذاته، بل من المجتمع المحيط به، على المجتمع أن يمنعه، وأن يضرب على يديه. والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعا مثاليا لا يعرف المعصية، بل تحدث منه المعاصي، لكنها مفرقة على أهواء الناس، فهذا يميل إلى السرقة، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات، وهذا يحب كذا.. الخ. إذن: ففي الناس مواطن قوة، ومواطن ضعف، وعلى القوي في شيء أن يمنع الضعيف فيه، وأن يزجره ويقومه لذلك يقول تعالى: