30.42
السير: الانتقال من حيز مكاني إلى حيز آخر، وسبق أن قلنا: إن النظرة السطحية في ظاهر الأمر أن السير يكون على الأرض لا فيها لأننا نسكن على الأرض لا فيها، لكن الحق سبحانه يبصرنا بقوله: ﴿ قل سيروا في الأرض.. ﴾ [الروم: 42] أن الأرض ليست هي اليابسة والماء على سطح الكرة الأرضية، أما الأرض فتشمل غلافها الجوي لذلك يدور معها وهو إكسير الحياة فيها فلا حياة لها إلا به. إذن: فهواء الأرض من الأرض، وهو أهم الأقوات للأحياء عليها، فحين يقول تعالى:
وقدر فيهآ أقواتها..
[فصلت: 10] فالهواء داخل فيها، لذلك قال ﴿ قل سيروا في الأرض.. ﴾ [الروم: 42]. وقلنا: لو أنك استقرأت أجناس الوجود لوجدت أنك الجنس الأعلى في الكون، وكل الأجناس تحتك تخدمك، فأنت تنتفع بالحيوان وبالنبات وبالجماد، فأدنى الأجناس في الكون وهو الجماد له مهمة يؤديها. فأنت أيها الإنسان الذي كرمك الله على كل أجناس الوجود إذا لم تبحث لك عن مهمة تؤديها في الحياة، ودور تقوم به، فأنت أقل منزلة من أدنى الأجناس وهو الجماد، إذا لم تبحث بعقلك عن شيء ترتبط به يناسب سيادتك على من دونك، فأنت أتفه من الحجر لأن الحجر له مهمة يؤديها، وأنت لا مهمة لك. لكن هذا الجنس الأدنى إن أراد سبحانه أعطاه عزة فوق السيد المخدوم وهو الإنسان، ففي فرض الحج يسن لك أن تقبل هذا الحجر، وتسعى جاهدا لكي تقبله، وتأمل الإنسان - وهو سيد هذا الوجود - وهو يحاول أن يقبل الحجر، ويغضب إن لم يتمكن من ذلك. وتأمل الرد من دولة الأحجار على من عبدها من دون الله:
عبدونا ونحن أعبد لله
من القائمين بالأسحار
تخذوا صمتنا علينا دليلا
فغدونا لهم وقود النار
قد تجنوا جهلا كما قد تجنوه
على ابن مريم والحواري
للمغالي جزاؤه والمغالى فيه
تنجيه رحمة الغفار
ثم يقول سبحانه: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل.. ﴾ [الروم: 42] فالسير في الأرض يكون إما للسياحة والتأمل في آيات الله في كونه، لذلك يستخدم فيها الفاء ﴿ فانظروا.. ﴾ [الروم: 42] أو يسير في الأرض لطلب الرزق. وفي آية أخرى:
قل سيروا في الأرض ثم انظروا..
[الأنعام: 11] والمعنى: سيروا في الأرض للاستثمار، وطلب القوت، وقضاء المصالح، لكن لا يفوتكم النظر والتأمل في آيات الله وفي مخلوقاته لتأخذوا منها العبرة والعظة. ومعنى: ﴿ كيف كان عاقبة الذين من قبل.. ﴾ [الروم: 42] أي الذين ظهر الفساد بينهم، فأذاقهم الله الألم بما كسبت أيديهم، فهذه ليست عندك وحدك، إنما حدثت في الأمم السابقة، كما قال سبحانه:
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين
[الصافات: 137]. فهناك مدائن صالح والأحقاف وعاد وثمود والفراعنة.
. إلخ انظر ما حل بهم بعد الحضارة والنضارة، بعد ما توصلوا إليه من علم التحنيط الذي لم يعرف العلم أسراره حتى الآن، ويضعون مع جثث الموتى حبوب القمح أو الشعير، فتظل على حالها، بحيث إذا زرعت بعد آلاف السنين تنبت. إنها قدرة علمية فائقة، ومع ذلك ما استطاعت هذه الحضارة أن تحمي نفسها من الاندثار، وإذا كان القرآن قد قال عن الحضارة الفرعونية
وفرعون ذى الأوتاد
[الفجر: 10] فقد قال عن إرم
التي لم يخلق مثلها في البلاد
[الفجر: 8]. فأي حضارة هذه؟ وأين هي الآن؟ طمرتها رمال الأحقاف، ودفنتها تحت أطباق الثرى، ولا تعجب من ذلك، ففي هذه المنطقة إن هبت عاصفة واحدة، فإنها تغطي قافلة كاملة بجمالها ورجالها تحت الأرض، فما بالك بالعواصف منذ قرون طوال لذلك نجد كل الآثار يتم التنقيب عنها حفرا. إذن: فالحضارات مع عظمها لم تستطع أن تحمي نفسها من الزوال، وهذا دليل على وجود قوة أعلى منها تزيلها وتقضي عليها. وقوله تعالى: ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ [الروم: 42] أي: أن القليل منهم لم يكن مشركا، قالوا: هذه القلة هم الصبيان والمجانين، ومن ليس له إرادة حرة، وإن أخذت هذه القلة مع الكثرة المشركة، فإن الله إنما أراد بهم خيرا لأن مثواهم إلى الجنة بغير حساب. لذلك لما تكلمنا عن موسى والعبد الصالح في سورة الكهف: لما قتل الخضر الغلام تعجب موسى، ففي المرة الأولى خرق السفينة واعتدى على ملك، أما في هذه المرة فقد أزهق روحا لذلك قال في الأولى