تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأرض مددناها..

[الحجر: 19] ولو تأملوا معنى

مددناها..

[الحجر: 19] لما اعترضوا لأن معنى مددناها يعني: كلما سرت في الأرض وجدتها ممتدة لا تنتهي حتى تعود إلى النقطة التي بدأت منها، وهذا يعني أنها كرة لا نهاية لها، ولو كانت مسطحة أو مثلثة مثلا لكان لها نهاية. إذن: نقول للعلماء عموما: لا تدخلوا أنوفكم فيما لا علم لكم به، ودعوا المجال لأصحابه، عملا بقوله تعالى:

قد علم كل أناس مشربهم..

[البقرة: 60]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن آياته منامكم باليل... ﴾.

30.23

كذلك من الآيات العجيبة الدالة على قدرة الله ﴿ منامكم.. ﴾ [الروم: 23] فحتى الآن لم يكشف علماء وظائف الأعضاء والتشريح عن سر النوم، ولم يعرفوا - رغم ما قاموا به من تجارب - ما هو النوم. لكن هو ظاهرة موجودة وغالبة لا يقاومها أحد مهما أوتي من القوة، ومهما حاول السهر دون أن ينام، لا بد أن يغلبه النوم فينام، ولو على الحصى والقتاد، ينام وهو واقف وهو يحمل شيئا لا بد أن ينام على أية حالة. وفلسفة النوم، لا أن نعرف كيف ننام، إنما أن نعرف لماذا ننام؟ قالوا: لأن الإنسان مكون من طاقات وأجهزة لكل منها مهمة، فالعين للرؤية، والأذن للسمع.. الخ، فساعة تجهد أجهزة الجسم تصل بك إلى مرحلة ليست قادرة عندها على العمل، فتحتاج أنت - بدون شعورك وبأمر غريزي - إلى أن يرتاح كأنها تقول لك كفى لم تعد صالحا للعمل ولا للحركة فنم. ومن عجيب أمر النوم أنه لا يأتي بالاستدعاء لأنك قد تستدعي النوم بشتى الطرق فلا يطاوعك ولا تنام، فإن جاءك هو غلبك على أي حال كنت، ورغم الضوضاء والأصوات المزعجة تنام. لذلك يقول الرجل العربي: النوم طيف إن طلبته أعنتك، وإن طلبك أراحك. ولأهل المعرفة نظرة ومعنى كوني جميل في النوم، يقولون في قوله تعالى:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده..

[الإسراء: 44] فكل ما في الوجود يسبح حتى أبعاض الكافر وأعضاؤه مسبحة، إنما إرادته هي الكافرة، وتظل هذه الأبعاض خاضعة لإرادة صاحبها إلى أن تنفك عن هذه الإرادة يوم القيامة، فتشهد عليه بما كان منه، وبما أجبرها عليه من معصية الله. وسبق أن مثلنا لذلك بقائد الكتيبة حين يطيعه جنوده ولو في الخطأ لأن طاعته واجبة إلى أن يعودوا إلى القائد الأعلى فيتظلمون عنده، ويخبرونه بما كان من قائدهم. وذكرنا أن أحد قواد الحرب العالمية أراد أن يستخدم خدعة يتفوق بها على عدوه، رغم أنها تخالف قانون الحرب عندهم، فلما أفلحت خطته وانتصر على عدوه كرموه على اجتهاده، لكن لم يفتهم أن يعاقبوه على مخالفته للقوانين العسكرية، وإن كان عقابا صوريا لتظل للقانون مهابته. كذلك أبعاض الكافر تخضع له في الدنيا، وتشهد عليه يوم القيامة:

يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون

[النور: 24]. مع أن هذه الجوارح هي التي نطقت بكلمة الكفر، وهي التي سرقت.. الخ لأن الله أخضعها لإرادة صاحبها، أما يوم القيامة فلا إرادة له على جوارحه:

وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء..

[فصلت: 21] لذلك يطمئننا الحق سبحانه بقوله:

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. فإذا ما نام الكافر ارتاحت منه أبعاضه وجوارحه، ارتاحت من مرادات الشر عنده لذلك يحدثنا إخواننا الذين يحجون بيت الله يقولون: هناك النوم فيه بركة، ويكفيني أقل وقت لأرتاح، لماذا؟ لأن فكرك في الحج مشغول بطاعة الله، ووقتك كله للعبادة، فجوارحك في راحة واطمئنان لم ترهقها المعصية لذلك يكفيها أقل وقت من النوم لترتاح. وفي ضوء هذا الفهم نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم:

" تنام عيني ولا ينام قلبي "

لأنه صلى الله عليه وسلم حياته كلها للطاعة، فجوارحه مستريحة، فيكفيه من النوم مجرد الإغفاءة. وفي العامية يقول أهل الريف: نوم الظالم عبادة، لماذا؟ لأنه مدة نومه لا يأمر جوارحه بشر، ولا يرغمها على معصية فتستريح منه أبعاضه، ويستريح الناس والدنيا من شره، وأي عبادة أعظم من هذه؟ ونلحظ في هذه الآية ﴿ ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله.. ﴾ [الروم: 23] فجعل الليل والنهار محلا للنوم، ولابتغاء الرزق، وفي آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٣٣