تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30.15

ما دام الخلق سيمتازون يوم القيامة ويتفرقون، فلا بد أن نرى هذه القسمة: الذين آمنوا والذين كفروا، وها هي الآيات ترينا هذا التفصيل: ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ﴾ [الروم: 15] فما جزاؤهم ﴿ فهم في روضة يحبرون ﴾ [الروم: 15] الروضة: هي المكان المليء بالخضرة والأنهار والأشجار والنضارة، وكانت هذه عادة نادرة عند العرب لأنهم أهل صحراء تقل في بلادهم الحدائق والرياض. لذلك، فالرياض والبساتين عندهم شيء عظيم ونعمة كبيرة، ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ [الروم: 15] من الحبور، وهو الفرحة حينما يظهر عليك أثر النعمة، هذا عن المؤمنين، فماذا عن الكافرين؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأما الذين كفروا وكذبوا... ﴾.

30.16

المحضر بالفتح: الذي يحضره غيره، ولا تقال إلا في الشر، وفيها ما يدل على الإدانة، وإلا لحضر هو بنفسه، ونحن نفزع لسماع هذه الكلمة لأن المحضر لا يأتيك إلا لشر، كذلك حال الكفار والمكذبين يوم القيامة تجرهم الملائكة، وتجبرهم، وتسوقهم للحضور رغما عنهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فسبحان الله حين... ﴾.

30.17

هنا تتجلى عظمة الإيمان، وتتجلى محبة الله تعالى لخلقه، حيث يدعوهم إليه في كل أوقات اليوم والليلة، في الصباح وفي المساء، في العشية والظهيرة. والحق سبحانه حين يطلب من عباده أن يؤمنوا به، إنما لحبه لهم، وحرصه عليهم ليعطيهم، ويفيض عليهم من آلائه، وإلا فهو سبحانه بصفات الكمال والجلال غني عنهم، فإيمان المؤمنين لا يزيد في ملكه سبحانه شيئا، كذلك كفر الكافرين لا ينقص من ملكه سبحانه شيئا. إذن: المسألة أنه سبحانه يريد أن يبر صنعته، ويكرم خلقه وعباده لذلك يستدعيهم إلى حضرته، وقربنا هذه المسألة بمثل - ولله تعالى المثل الأعلى -، قلنا: إذا أردت أن تقابل أحد العظماء، أو أصحاب المراكز العليا، فدون هذا اللقاء مشاق لا بد أن تتجشمها. لا بد أن يؤذن لك أولا في اللقاء، ثم يحدد لك الزمان والمكان، بل ومدة اللقاء وموضوعه، وربما الكلمات التي ستقولها، ثم هو الذي ينهي اللقاء، لا أنت. هذا إن أردت لقاء الخلق، فما بالك بلقاء الخالق عز وجل؟ يكفي أنه سبحانه يستدعيك بنفسه إلى حضرته، ويجعل ذلك فرضا وحتما عليك، ويطلبك قبل أن تطلبه، ويذكرك قبل أن تذكره، لا مرة واحدة، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، فإذا لبيت طلبه أفاض عليك من رحمته، ومن نعمه، ومن تجلياته، وما بالك بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيصيبها عطب؟ ثم يترك لك ربك كل تفاصيل هذه المقابلة، فتختار أنت الزمان والمكان والموضوع، فإن أردت أن تطيل أمد المقابلة، فإن ربك لا يمل حتى تمل لذلك فإن أهل المعرفة الذين عرفوا لله تعالى قدره، وعرفوا عطاءه، وعرفوا عاقبة اللجوء إليه سبحانه يقولون:

حسب نفسي عزا بأني عبد

يحتفي بي بلا مواعيد رب

هو في قدسه الأعز ولكن

أنا ألقي كيفما وأين أحب

والعبودية كلمة مكروهة عند البشر لأن العبودية للبشر ذل ومهانة، حيث يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فهي قمة العز كله، وفيها يأخذ العبد خير سيده لذلك امتن الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه العبودية في قوله سبحانه:

سبحان الذي أسرى بعبده..

[الإسراء: 1]. وكلمة ﴿ فسبحان الله.. ﴾ [الروم: 17] هي في ذاتها عبادة وتسبيح لله تعني: أنزه الله عن أن يكون مثله شيء لذلك يقول أهل المعرفة: كل ما يخطر ببالك فالله غير ذلك لأنه سبحانه

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. فالله سبحانه منزه في ذاته، منزه في صفاته، منزه في أفعاله، فإن وجدنا صفة مشتركة بين الخلق والخالق سبحانه نفهمها في إطار

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. وقلنا: إنك لو استقرأت مادة سبح ومشتقاتها في كتاب الله تجد في أول الإسراء:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٢٠