تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأصابهم الجدب والقحط، حتى روي أنهم كانوا يذهبون للبحر لصيد السمك، فيبتعد عنهم ولا يستقيم لهم فيعودون كما أتوا. وهذا معنى ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر.. ﴾ [الروم: 41]. ثم يوضح الحق سبحانه سبب هذا الفساد: ﴿ بما كسبت أيدي الناس.. ﴾ [الروم: 41] فتلحظ هنا أن الحق سبحانه لما يذكرالرحمة لا يذكر علتها، لكن يذكر علة الفساد لأن الرحمة من الله سبحانه أولا وأخيرا تفضل، أما الأخذ والعذاب فبعدله تعالى لذلك يبين لك أنك فعلت كذا، وتستحق كذا، فالعلة واضحة. هناك قضية أخرى أحب أن أوضحها لكم، وهي أن الحق سبحانه يعامل خلقه معاملته في الجزاء، فالله يقول:

من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها..

[الأنعام: 160]. إذن: فالحسنة الواحدة تستر عشر سيئات، وكذلك في جسم الإنسان، فيقول بعض علماء وظائف الأعضاء والتشريح: إن الكلية بها مليون خلية يعمل منها العشر بالتبادل، فمجموعة تعمل، والباقي يرتاح وهكذا. فانظر كم ترتاح الخلية حتى يأتي عليها الدور في العمل. فكأن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق لها العشر يقوم مقام المليون لذلك قالوا لو أن في أحد الدواوين عشرة موظفين، منهم واحد محسن، يستر إساءة الباقين، وكثيرا ما تلاحظ هذه الظاهرة في دواوين الحكومة، فترى غالبية الموظفين منشغلين: هذا يقرأ الجرائد، وهذا يشرب الشاي، وآخر لم يأت أصلا. وخلف كومة من الملفات تجد موظفا نحيلا غارقا في العمل، يقصده الجميع، ويتحمل هو تقصير الآخرين، ويؤدي عنهم، وبه تسير دفة الأمور، لكن إن فقدنا هذا أيضا، فلا بد أن تأتي ﴿ ظهر الفساد.. ﴾ [الروم: 41] إذن: إن رأيت الفساد فاعلم أنه نتيجة إهمال وغفلة فاقت كل الحدود.

وما دام الحق سبحانه قال: ﴿ بما كسبت أيدي الناس.. ﴾ [الروم: 41] فلا بد أن الفساد جاء من ناحيتهم، وبالله هل اشتكينا أزمة في الهواء مثلا؟ لكن نشتكي تلوث الهواء بما كسبت أيدي الناس، أما حين نذهب إلى الخلاء حيث لا يوجد الإنسان، نجد الهواء نقيا كما خلقه الله. الحق سبحانه تكفل لنا بالغذاء فقال:

وقدر فيهآ أقواتها..

[فصلت: 10] لكنا نشتكي أزمة طعام، لماذا؟ لأن الطعام يحتاج إلى عمل، ونحن تكاسلنا، وأسأنا التصرف في الكون، إما بالكسل والخمول عن استخراج خيرات الأرض وأقواتها، وإما بالأنانية حيث يضن الواجد على غير الواجد. وقد قرأنا مثلا أن أمريكا تسكب اللبن في البحر، وتعدم الكثير من المحصولات، وفي العالم أناس يموتون جوعا، إذن: هذه أنانية، أما التكاسل فقد حدث منا في الماضي. وانظر الآن إلى صحرائنا التي كانت جرداء قاحلة، كيف اخضرت الآن، وصارت مصدرا للخيرات لما اهتممنا بها ويسرنا ملكيتها للناس، فإن ضنت الأرض في منطقة ما فقد جعل الله لنا سعة في غيرها، فالخالق سبحانه لم يجعل الأرض لجنس ولا لوطن، إنما جعلها مشاعا لخلق الله جميعا. واقرأ قوله تعالى:

ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..

[النساء: 97]. ولذلك قلت في هيئة الأمم: إن في القرآن آية واحدة، لو أخذ العالم بها لضمنت له الرخاء والاستقرار والأمان، إنها قوله تعالى:

والأرض وضعها للأنام

[الرحمن: 10] فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن الواقع خلاف ذلك، فقد وضعوا للأرض حدودا، وأقاموا عليها الحواجز والأسوار، فإن أردت التنقل من قطر إلى آخر تجشمت في سبيل ذلك كثيرا من المشاق في إجراءات وتأشيرات.. إلخ. وكانت نتيجة ذلك أن يوجد في الكون رجال ازدحموا بلا أرض، وفي موضع آخر أرض بلا رجال، ولو حدث التكامل بين هذه وتلك لاستقامت الأمور. إذن: الذين وضعوا الحدود والحواجز في أرض الله أخذوها لأنفسهم، فلم تعد أرض الله الواسعة التي تستقبل خلق الله من أي مكان آخر، إنما جعلوها أرضهم، وأخضعوها لقوانينهم هم، وتعجب حين تتأمل حدود الدول على الخريطة، فهي متداخلة، فترى جزءا من هذه الدولة يدخل في نطاق دولة أخرى، على شكل مثلث مثلا، أو تمتد أرض دولة في دولة أخرى على شكل لسان أو مناطق متعرجة، فماذ دمتم قد وضعتم بينكم حدودا، فلماذا لا تجعلونها مستقيمة؟ وكأن واضعي هذه الحدود أرادوها بؤرا للخلاف بين الدول، ولا يخلو هذا التقسيم من الهوى والعصبيات القبلية والجنسية والقومية والدينية، لكن لو أخذنا بقول ربنا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٧١