تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..

[البقرة: 286] أي: ليس في وسعه الآن تنفيذ شرع الله. لكن نقول له: من الذي يحدد الوسع؟ أنت أم المشرع سبحانه؟ ما دام الله تعالى قد كلف، فاعلم أن التكليف في وسعك، فخذ الوسع من التكليف، لا أن تقدر أنت الوسع وتنسى ما كلفك الله به. لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوسع يخفف عنك دون أن تطلب أنت التخفيف، كما في صلاة وصوم المريض والمسافر.. الخ وكما في التيمم إن تعذر استعمال الماء. فلا معنى لأن نقول: إن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن: اجعل العصر هو المشرع، وانصرف عن تشريع السماء إلى ما يحتمله العصر. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه حينما يلقي تكاليفه يقول:

قل تعالوا..

[الأنعام: 151] فمعنى تعالوا: ارتفعوا عن مستوى أهواء البشر، واعلوا إلى تكاليف الله، فإن هبطت بالتكاليف إلى مستواك، وقلت ظروف العصر تحتم علي كذا وكذا فقد أخضعت منطق السماء لمنطق الأرض، وما جاء منطق السماء إلا ليعلو بك. فإن نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة الربا، فمنهم من يحلل، ومنهم من يحرم وهم الكثرة، وهب أنهم متساوون من يحرم ومن يحلل، فما حكم الله فيما تساوت فيه الاجتهادات؟ النبي صلى الله عليه وسلم أوضح لنا هذه القضية في قوله:

" الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ".

فهل قال رسول الله: فمن فعل الشبهات أم: فمن ترك الشبهات؟ إذن: من وقع في الشبهات لم يستبرىء، لا لدينه ولا لعرضه، وهل يرضى أحد أن يوصف هذا الوصف؟ وعجيب أن نسمع من يقول: وما علاقة العرض بهذه المسألة؟ نقول: والله حتى غير المؤمن بدين يستنكف أن يقال عنه أنه مراب، عرضه لا يقبلها فضلا عن دينه. لذلك فالمكارون الذين يريدون أن يغلوها، ويريدون أن يعيشوا على دماء الناس لا يدرون أن النفعية هي القانون الذي يحكم الله به خلقه، فيجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها، لذلك يقول اليهود: كيف تحرمون الربا والله يعاملكم به؟ نعم، الحق - سبحانه وتعالى - يعاملنا بالربا، ويعطينا بالزيادة لأن هذه الزيادة لا تنقص مما عنده سبحانه، أما الزيادة من الناس ومن المحتاجين فإنها ترهقهم وتزيدهم فقرا وحاجة. ثم دعك من هذا كله، وتأمل في المحيط الذي تعيش فيه، ففي كل بلد أناس يحبون الربا ويتعاملون به، أرأيتم مرابيا مات بخير؟ أمات مراب وثروته كاملة؟ لا، لأن الله تعالى لم يكن ليقول

يمحق الله الربا..

[البقرة: 276] ثم يترك مرابيا ينمو ماله، ويسلم له إلى أن يموت، فإن اغتنى لحين، فإنما غناه كيد فيه، ومبالغة في إيذائه، كما جاء في الأثر

" إذا غضب الله على إنسان رزقه من الحرام، فإن اشتد غضبه عليه بارك له فيه ".

واقرأ قول الله تعالى:

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون

[الأنعام: 44]. لذلك نسمع " فلان ماهر في التجارة " ، " فلان يضع يده في التراب يصير ذهبا "... الخ. وسبق أن أوضحنا الفرق بين " فتحنا لهم " و " فتحنا عليهم ": " لهم " أي لصالحهم بالخير، أما " عليهم " فيعني كيدا لهم وتحديا وإهلاكا، فالله تعالى يعطي الكافر ويوسع عليه زهرة الدنيا، حتى إذا أخذه كان أخذه أليما، كما قلنا: إنك إن أردت أن توقع عدوك لا توقعه من على الحصير، إنما من مكان عال حتى يكون السقوط مؤلما. وقوله تعالى:

حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا..

[الأنعام: 44] والفرح بالنعمة ليس ممنوعا، لكن هناك فرح يحب، وفرح يكره، وإلا فالحق سبحانه نسب الفرح للمؤمنين في قوله تعالى في سورة الروم:

ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٧