يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه...
[البقرة: 282]. فالله يحفظ عليك مالك لتهدأ بالا من ناحيته، ومع ذلك يترك مجالا لأريحية المعطي ومروءته
فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه..
[البقرة: 283]. وبهذه الفلسفة الإيمانية يدور المال وتسير به حركة الحياة، بحيث يضمن لصاحب المال ماله، لأنه محب له حريص عليه، ويضمن لمن لا مال له أن يتحرك من مال الغير، فإذا كانت هناك أمانة أداء، فكل صاحب أمانة عليه أن يؤديها لمستحقها. فإن اختلت هذه الموازين، وماطل الفقير الغني، وضن عليه أن يرد إليه حقه، فقد فسد حال المجتمع وانهارت فيه هذه القيم، وساعتها لا نلوم القادر على العطاء إن أمسك ماله عن المحتاجين للقرض ولم لا؟ والناس يأكلون الحقوق، وبذلك تتوقف حركة الحياة ويتراجع المجتمع عن مسايرة حركة التقدم. فإذا كان الربا غير المشروط، وهو الربا في الهدايا والمجاملات والتحية بين الناس جعله الله للمودات وللمروءات بين الناس، لا يثيب عليه ولا يعاقب، وقال عنه ﴿ فلا يربو عند الله.. ﴾ [الروم: 39]. أما الربا المشروط فقد وقف معه وقفة حازمة، وشرع له عقابا وجعل هذا العقاب من جنس ما يضاد غرض الذي رابى، فأنت ترابي لتزيد من مالك، فيقابلك الله بالنقصان
يمحق الله الربا..
[البقرة: 276] لماذا؟ قالوا: لأن المعطي غني واجد، لديه فائض من المال يعطي منه، أما الآخذ فمحتاج، فكيف نطلب من المحتاج أن يزيد في مال الواجد غير المحتاج؟ وكيف تكون نظرة المحتاج إليك حين يعلم أن عندك مالا يزيد عن حاجتك، ومع ذلك ترفض أن تقرضه القرض الحسن، بل تشترط عليه الزيادة، فتأخذ الزيادة منه وهو محتاج؟ ثم افرض أنني أخذت هذا القرض لأثمره وأنميه فخسر، أليس كافيا أن أخسر أنا عملي، وأن يضيع مجهودي؟ أمن العدل أن أخسر عملي، ثم أكون ضامنا للزيادة أيضا؟ هذه ليست من العدالة لأن شرط العقد أن يحمي مصلحة الطرفين، أما عقد الربا فلا يحمي إلا مصلحة الدائن. ونحن نرى حتى التشريعات الوضعية في الاقتصاد إذا أعطى البنك مالا لشخص لعمل مشروع مثلا ثم خسر وأرادوا تسوية حالته، أول شيء في إجراءاتهم أن يسقطوا عنه الفوائد. وهذا يوافق شرع الله في قوله تعالى:
وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون
[البقرة: 279] لا تظلمون بمعنى: أن نرد إليكم رءوس أموالكم ولا تظلمون أي: لا نظلمك من ناحية أخرى، فنقول لك: إن أردت أن تتوب فرد ما أخذته بالربا بأثر رجعي لأن ما أخذته قد صرف وتصعب إعادته، وبذلك نراعي مصلحة الدائن حين نعيد إليه رأس المال، ومصلحة المدين، فلا نكلفه رد ما لا يقدر على رده. وحين نتأمل هذه المسألة: آلدول أقوى أم الأفراد؟ الدول، أرأيتم دولة اقترضت مالا من دولة أخرى، ثم استطاعت أن تسدد فوائد هذا الدين فضلا عن أصل الدين؟ كذلك الأفراد الأقوياء الذين يأخذون القروض، ثم لا يسددون مجرد الفوائد، ولا يستطيعون جدولتها ولا تسوية حالتهم، فيقعون في خصومات ومشاكل. شيء آخر، هب أن رجلا لديه مثلا ألف جنيه ورجل لا عند له، صاحب الألف يستطيع أن يديرها، وأن يعيش منها، أما الآخر الذي لا يملك شيئا فيقترض ليعيش مثل صاحبه، فإن قلت له: الألف قرضا بمائة جنيه، فمن أين يوفر هذه المائة؟ إن أخذها من عائد المال يخسر، وإن أخذها من السلعة بأن يقلل من الجودة أو من العناصر الفعالة في السلعة، أو في التغليف، جاءت السلعة أقل من مثيلاتها وبارت. إذن: لا بد أن يتحملها المستهلك، وهذا إضرار به، وهو ليس طرفا في العقد، إذن: العقد باطل. وحين نقول: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان يجب أن نفهم هذه القضية جيدا، وإياك أن تقول: إن الإسلام لا يصلح في زمان كذا، أو في مكان كذا. والآن نسمع البعض ينصرف عن منهج الإسلام ويقول لك