تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالحق سبحانه يقول: احذروا أن تبطلوا المعروف بالرياء، أو بالأغراض الدنية لأن معروفك هذا سينكر، وسينقلب ما قدمت، من خير شرا عليك. إذن: عليكم بالنظر في أعمالكم إلى وجه الله لا إلى غيره، فإن حدث وأنكر جميلك فجزاؤك محفوظ عند الله، وكأن ربك - عز وجل - يغار عليك، ويريد أن يحفظ لك الجميل ويدخره عنده. وهذا المعنى عبر عنه الشاعر بقوله:

أقول لأصحاب المروءات قولة

تريحهم إن أحسنوا وتفضلوا

يسير ذوو الحاجات خلفك خضعا

فإن أدركوها خلفوك وهرولوا

فلا تدع المعروف مهما تنكروا

فإن ثواب الله أربى وأجزل

وسبق أن ذكرت قصة الرجل الذي قابلنا في الطريق ونحن في الجزائر، فأشار لنا لنوصله في طريقنا، فتوقف صاحب السيارة وفتح له الباب، لكنه قبل أن يركب قال على كام؟ يعني: ثمن توصيله. فقال صاحب السيارة: لله. فقال الرجل غلتها يا شيخ. لذلك يقول بعض العارفين: إن الذين يريدون بأعمالهم وجه الله هم الذين يغلون أعمالهم، أي: يرفعون قيمتها، ويضاعفون ثوابها. وقوله تعالى: ﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل.. ﴾ [الروم: 38] بعد قوله:

ويقدر..

[الروم: 37] يدل في ظاهره على أنه يأخذ منك مع أنك مقل، وهذا يدخل في إطار قوله تعالى:

ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..

[الحشر: 9]. وقلنا: إن الشارع حكيم، فإذا ألزمك وأخذ منك فإنما ذلك ليعطيك إن احتجت، وكأنه يقول لك: اطمئن فقد أمنت لك حياتك، إن أصابك الفقر، أو كنت في يوم من الأيام مسكينا أو ابن سبيل، فكما فعلت سيفعل بك. وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم، فلو أن المجتمع الإيماني عوضه عن أبيه عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة "

لاطمأن كل أب على أولاده إن مات وتركهم لأنهم في مجتمع يعوضهم عن أبيهم بآباء كثيرين. والإنسان إن كان آمنا منعما، فإنما ينغص هذه النعمة أنها عرضة لأن تزول، فيريد الله أن يؤمن لعبده الحياة الكريمة في امتداده من بعده، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية تأمينية في الكون، ليست في شركات التأمين، إنما في يده سبحانه حيث قال:

وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا

[النساء: 9] فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد، فإن يتيمهم يصادف أناسا يكفلونه، ويخافون عليه، ويتولون أمره. وسبق أن تعرضنا في سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر - عليه السلام - ببنائه مع أنه في قرية أهلها لئام منعوهم حتى الطعام. وقلنا: إن سؤال الطعام هو أصدق سؤال، ولا يرد سائله، ومع ذلك بناه الخضر، وقال في بيان أمر الجدار:

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا..

[الكهف: 82]. فصلاح الأبوين ينفع الغلامين، فيسخر الله لهما من يبني لهما الجدار، ويحافظ لهما على كنزهما حتى يكبرا، ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام الذين إذا علموا بأمره نهبوه من هذين الصغيرين. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة، فيقول: ﴿ ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٤