والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
[العصر: 1-3]. فإذا عم الفساد وطم كما قال تعالى عن اليهود:
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه..
[المائدة: 79] وفقد المجتمع أيضا مناعته. فلا بد أن تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، لينقذ هؤلاء. ثم يقول تعالى: ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها.. ﴾ [الروم: 30] فنحن نرى البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض، كذلك الحق سبحانه - وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية، حتى في التكوين المادي. ألا ترى قوله تعالى في تكوين الإنسان:
يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة..
[الحج: 5]. فالمخلقة هي التي تكون الأعضاء، وغير المخلقة هي الرصيد المختزن في الجسم، وبه يعوض أي خلل في الأعضاء المخلقة، فهي التي تمده بما يصلحه، كذلك في القيم جاء دين الله فطرت الله التي فطر الناس عليها، فإذا تدخلت الأهواء وحدثت الغفلة جاءت المناعة، إما من ذات النفس، وإما من المجتمع، وإما برسول ومنهج جديد.
وقد كرم الله أمة محمد بأن يكون رسولها خاتم الرسل، فهذه بشرى لنا بأن الخير باق فينا، ولا يزال في يوم القيامة، ولن يفسد مجتمع المسلمين أبدا بحيث يفقد كله هذه المناعة، فإذا فسدت فيه طائفة وجدت أخرى تقومها، وهذا واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم.
" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ".
وإلا لو عم الفساد هذه الأمة لاقتضى الأمر شيئا آخر. وحين نقرأ الآية نجد أن كلمة ﴿ فطرت.. ﴾ [الروم: 30] منصوبة، ولم يتقدم عليها ما ينصبها، فلماذا نصبت؟ الأسلوب هنا يريد أن يلفتك لسبب النصب، وللفعل المحذوف هنا، لتبحث عنه بنفسك، فكأنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفا والزم فطرت الله التي فطر الناس عليها. لذلك يسمي علماء النحو هذا الأسلوب أسلوب الإغراء، وهو أن أغريك بأمر محبوب وأحثك على فعله، كذلك الحق سبحانه يغري رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقيم وجهه نحو الدين الخالص، وأن يلزم فطرت الله، وألا يلتفت إلى هؤلاء المفسدين، أو المعوقين له. والفطرة: يعني الخلقة كما قال سبحانه:
فاطر السماوات والأرض..
[يوسف: 101] يعني: خالقهما، والفطرة المرادة هنا قوله تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]. فالزم هذه الفطرة، واعلم أنك مخلوق للعبادة. أو: أن فطرت الله تعني: الطبيعة التي أودعها الله في تكوينك منذ خلق الله آدم، وخلق منه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم قالوا بلى..
[الأعراف: 172]. وسبق أن بينا كيف أن في كل منا ذرة حية من أبينا آدم باقية في كل واحد منا، فالإنسان لا ينشأ إلا من الميكروب الذكري الحي الذي يخصب البويضة، وحين تسلسل هذه العملية لا بد أن تصل بها إلى آدم عليه السلام. وهذه الذرة الباقية في كل منا هي التي شهدت العهد الأول الذي أخذه الله علينا، وإلا فالكفار في الجاهلية الذين جاء رسول الله لهدايتهم، كيف اعترفوا لله تعالى بالخلق:
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله..
[الزمر: 38]. من أين عرفوا هذه الحقيقة؟ نقلت إليهم من هذا العهد الأول، فمنذ هذا العهد لم يجرؤ أحد من خلق الله أن يدعي هذا الخلق لنفسه، فظلت هذه القضية سليمة في الأذهان مع ما حدث من فساد في معتقدات البشر. وتظل هذه القضية قائمة بالبقية الباقية من هذا العهد الأول، حتى عند الكفار والملاحدة، فحين تكتنفهم الأحداث وتضيق بهم أسبابهم، تراهم يقولون وبلا شعور: يا رب، لا يدعون صنما ولا شجرا، ولا يذهبون إلى آلهتهم التي اصطنعوها، فهم يعلمون أنها كذب في كذب، ونصب في نصب.