حسب نفسي عزا بأني عبد
يحتفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الأعز ولكن
أنا ألقى متى وأين أحب
ولأن للصلاة هذه المنزلة بين أركان الإسلام لم تفرض بالوحي كباقي الأركان، إنما فرضت مباشرة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، حين استدعاه ربه للقائه في السماء في رحلة المعراج. وسبق أن مثلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - برئيس العمل الذي يلقي أوامره بالتليفون، أو بتأشيرة على ورقة، فإن تعرض لأمر هام استدعى الموظف المختص إلى مكتبه، وأعطاه الأمر مباشرة لأهميته، كذلك كانت الصلاة، وكذلك فرضت على سيدنا رسول الله بالتكليف المباشر. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ [الروم: 31] وهنا وقفة: فكيف بعد الإنابة إلى الله والتقوى، وبعد الأمر بإقامة الصلاة يقول ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ [الروم: 31]؟ وأين الشرك ممن يؤدي التعاليم على هذا الوجه؟ قالوا: الشرك المنهي عنه هنا ليس الإشراك مع الله إلها آخر، إنما أشركوا مع الله نية أخرى، فالإشراك هنا بمعنى الرياء، والنظر إلى الناس لا إلى الله. لذلك يقولون: العمل من أجل الناس رياء، وترك العمل من أجل الناس شرك، فالذي يصلي أو يبني لله مسجدا للشهرة، وليحمده الناس فهو مراء، وهو خائب خاسر لأن الناس انتفعوا بعمله ولم يحصل هو من عمله شيئا. أما من يترك العمل خوفا من الوقوع في الرياء، فيمتنع عن الزكاة مثلا، خوف أن يتهم بالرياء، فهو والعياذ بالله مشرك، لأن الناس ينتفعون بالعمل حتى وإن كان رياء، لكن إن امتنعت عن العمل فلا ينتفع الناس منك بشيء. فالمعنى: ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ [الروم: 31] أي: الشرك الخفي وهو الرياء لذلك رأينا سيدنا رسول الله وهو الأسوة للأمة الإيمانية يدعو ربه ويقول
" اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ".
فالعمل الإيماني ما كان لله خالصا، وعلى قدر الإخلاص يكون الجزاء، فمن الناس من يفعل الصلاح فيوافق شيئا في نفسه، كأن يساعده على استقامة الحياة أو على التوفير في النفقات أو غير ذلك فيستمر عليه، لا لله إنما لمصلحته هو. وفي هؤلاء يقول تعالى:
ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران المبين
[الحج: 11]. وكالتاجر الذي يلتزم الصدق في تجارته، لا حبا في الصدق ذاته، إنما طمعا في الشهرة والصيت وكسب المزيد من الزبائن، ومثل هؤلاء ينالون من الدنيا على قدر سعيهم لها، ولا يحرمهم الله ثمرة مجهوداتهم، كما قال سبحانه:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]. فما أشبه الناس في نياتهم من الأعمال بركب يقصدون وجهة واحدة، لكن لكل منهم غاية يسعى إليها، فهذا يسعى للطعام أو أكلة شهية، وهذا يسعى لامرأة جميلة، وهذا يسعى لدرس علم ينتفع به، وآخر يسعى لرؤية من يحب، وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
قصدت بالركب من أهوى وقلت لهم
هيا كلوا وخذوا ما حظكم فيه
لكن دعوني ألاقي من أؤمله
عيني تراه ووجداني يناجيه
كذلك الحق - تبارك وتعالى - يريد من عبده أن يقصده لذاته، لا خوفا من ناره، ولا طمعا في جنته، وفرق بين أن تنعم بنعمة الله، وأن تنعم بالنظر إلى الله، فأنت في الجنة تأكل، لا عن جوع ولا عن حاجة، إنما لمجرد التنعم. لذلك يقول سبحانه عن الشهداء:
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون
[آل عمران: 169] فتكفيهم هذه العندية، وأن ينظروا إلى الله سبحانه وتعالى. لذلك تقول رابعة العدوية: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فأدخلني فيها، لكني أعبدك لأنك أحق أن تعبد. ولا شك أن القليل من الناس يخلصون النية لله، وأن الغالبية يعملون العمل كما اتفق على أية نية، لا تعنيهم هذه المسألة، ولا يهتمون بها، كما قال سبحانه: