تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الشرك لظلم عظيم

[لقمان: 13] ظلموا أنفسهم حينما أعطوها شهوة عاجلة ولذة فانية، وغفلوا عن عاقبة ذلك، فهم إما كارهون لأنفسهم، أو يحبونها حبا أحمق، وهذه آفة الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم فيه. وقوله تعالى: ﴿ بغير علم.. ﴾ [الروم: 29] أولا: ما هو العلم؟ في الكون قضايا نجزم بها، فإن كان ما نجزم به مطابقا للواقع ونستطيع أن ندلل عليه - كما نعلم مثلا الولد الصغير: الله أحد، فإن استطاع أن يدلل عليها فهي علم، وإن لم يستطع فهي تقليد. وكمن يقول مثلا: الأرض كروية وهي فعلا كذلك، أما من يكابر حتى الآن ويقول ليست كروية، والواقع أنها كروية، فهذا جهل. إذن: نقول ليس الجهل ألا تعلم، إنما الجهل أن تعلم قضية على خلاف الواقع لذلك نفرق بين الجاهل والأمي: الأمي خالي الذهن ليست لديه قضية من أساسه، فإن أخبرته بقضية أخذها منك دون عناد، ودون مكابرة أما الجاهل فعنده قضية خاطئة معاندة، فيحتاج منك أولا لأن تخرج القضية الفاسدة لتلقي إليه بالقضية الصحيحة. فإن كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أن نجزم بها، فتنظر: إن تساوى الإثبات فيها مع النفي فهي الشك، إذن: فالشك قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي، فإن غلبت جانب الإثبات ورجحته فهو ظن، أما إن غلبت جانب النفي فهو وهم.

فعندنا - إذن - من أنواع القضايا: علم، وجهل وتقليد، وظن، ووهم. فالحق سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم بها، مطابقة للواقع، وعليها دليل، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم المتفرقة، وأخذوها بدون أصولها من العلم، فسوف أكمل لهم ما أرادوا وأعينهم على ما أحبوا ﴿ فمن يهدي من أضل الله.. ﴾ [الروم: 29] فقد ألغوا عقولهم وعطلوها وعشقوا الكفر بعد ما سقنا لهم الأدلة والبراهين. إذن: لم يبق إلا أن أعينكم على ما تعتقدون، وأن أساعدكم عليه، فأختم على قلوبكم، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر، لأنني رب أعين عبدي على ما يريد. وهكذا يضل الله هؤلاء، بمعنى: يعينهم على ما هم عليه من الضلال بعد أن عشقوه، كما قال سبحانه:

ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم

[البقرة: 7]. لذلك نحذر الذين يصابون بمصيبة، ثم لا يسلون، ولا ينسون، ويلازمون الحزن، نحذرهم ونقول لهم: لا تدعوا باب الحزن مفتوحا، وأغلقوه بمسامير الرضا، وإلا تتابعت عليكم الأحزان لأن الله تعالى رب يعين عبده على ما يحب، حتى الساخط على قدره تعالى. فالمعنى ﴿ فمن يهدي من أضل الله.. ﴾ [الروم: 29] يعني: من ينقذه؟ ومن يضع له قانون صيانته إن تخلى عنه ربه وتركه يفعل ما بدا له؟ لا أحد. وأنت إذا نصحت صاحبك وكررت له النصح فلم يطعك تتخلى عنه، بل إن أحد الحكماء يقول: انصح صاحبك من الصبح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فإن لم يطاوعك ضلله - أو أكمل له بقية النهار غشا. وسبق أن تحدثنا عن الطريقة الصحيحة في بحث القضايا لتصل إلى الحكم الصائب فيها، فلا تدخل إلى العلم بهوى سابق، بل أخرج كل ما في قلبك يؤيد هذه القضية أو يعارضها، ثم ابحث القضية بموضوعية، فما تقتنع به الموازين العقلية وترجحه أدخله إلى قلبك. والذي يتعب الناس الآن أن نناقش قضية الإسلام مثلا وفي القلب ميل للشيوعية مثلا، فننتهي إلى نتيجة غير سليمة. ثم يقول سبحانه: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ [الروم: 29] يعني: يا ليت لهم من ينقذهم إن أضلهم الله فختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، فليس لهم من الله نصير ينصرهم، ولا مجير يجيرهم من الله، وهو سبحانه يجير ولا يجار عليه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٤٨