تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..

[الزمر: 3]. فما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد لأمر المعبود ونهيه، إذن: بماذا أمرتكم هذه الآلهة؟ وعم نهتكم؟ ما المنهج الذي وضعته لكم؟ ماذا أعدت لمن أطاعها من النعيم؟ وماذا أعدت لمن عصاها من العذاب؟ لا شيء إلا أنها آلهة بدون تكاليف، وما أيسر أن يعبد الإنسان إلها لا تكاليف له، لا يقيدك فيما تحب من شهوات، ولا يحملك مشقة العبادة، وهنا يتضح عدم العقل. وأيضا عدم العقل في ماذا؟ الله خلقك في كون فيه أجناس، والأجناس تحكمها سلسلة الارتقاء، فجنس أعلى من جنس، والجنس الأعلى في خدمة الجنس الأقل. ولو استقرأت أجناس الوجود تجد أن معك أيها الإنسان جنسا آخر يشاركك الحس والحركة، لكن ليس له عقل واختيار بين البدائل لأنه محكوم بالغريزة منضبط بها، وهذا هو الحيوان الذي لا ينفك عن الغريزة أبدا. وسبق أن ضربنا مثلا لذلك بالغريزة الجنسية عند الإنسان وعند الحيوان، وأن الله تعالى إنما جعلها للتكاثر وحفظ النوع، فالحيوان المحكوم بالغريزة يؤدي هذه المهمة للتكاثر ويقف بها عند حدها، فإذا لقح الذكر الأنثى يستحيل أن تمكنه من نفسها بعد ذلك، وهو أيضا يشم رائحة الأنثى، فإن كانت حاملا ينصرف عنها. أما الإنسان فغير ذلك لأن له شهوة تتحكم فيه، فالمرأة تتحمل مشقة الحمل وألم الولادة، ثم تربية المولود إلى أن يكبر، ولولا أن الله تعالى ربط حفظ النوع في الإنسان بشهوة هي أعنف شهوات النفس ما أقدمت المرأة على الحمل مرة أخرى.

وما قلناه في غريزة الجنس نقوله في الطعام والشراب، الحيوان محكوم فيها بالغريزة المطلقة التي لا دخل للهوى فيها، فإذا شبع لا يأكل مهما حاولت معه، بل ونرى الحمار الذي نقول عنه إنه حمار لا يأكل عودا واحدا بعد شبعه، ويمر على النعناع الأخضر مثلا أو على الملوخية فلا يأكلها، ويذهب إلى الحشائش اليابسة، فهو يعرف طعامه بالغريزة التي جعلها الله فيه. أما الإنسان فيأكل حتى التخمة، ثم لا ينسى بعد ذلك الحلو والبارد والمهضم.. الخ ذلك لأنه أسير لشهوة بطنه، حتى إن من الناس من يغضب لأنه شبع فهو يريد ألا يفارق المائدة. وقد حدثنا رجال حديقة الحيوان بعد زلزال 1992 أنهم شاهدوا هياجا في الحيوانات المحبوسة في الأقفاص قبل حدوث الزلزال، كان أولها الوطواط، ثم الزرافة، ثم التمساح، ثم القرود، ثم الحمير، وكأنهم يريدون تحطيم الأقفاص والخروج منها، بعدها حدث الزلزال. وكذلك ما شاهده أهل أغادير بالدار البيضاء قبل الزلزال الذي وقع بها، حيث شاهدوا الحمير تفك قيودها، وتفر هاربة إلى الخلاء، وبعدها وقع الزلزال. إذن: لدى هذه الحيوانات استشعار بالزلزال قبل أن يقع. وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - مثالا لهذه الغريزة في قصة الغراب الذي علم الإنسان كيف يواري الميت، فقال تعالى في قصة ولدي آدم:

فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه..

[المائدة: 31]. نعود إلى حديثنا عن أجناس الكون لبيان عدم عقل هؤلاء الذين جعلوا لله شركاء، فأجناس الوجود: الإنسان، ثم الحيوان، ثم النبات، ففيه حياة ونمو، ثم الجماد أقل الموجودات درجة، وهو خادم للنبات وللحيوان وللإنسان، فكل جنس من هذه يخدم الجنس الأعلى منه. فماذا فعل الكفار حينما عبدوا الأصنام؟ جعلوا الجماد الذي هو أدنى المخلوقات أرقاها وأعظمها، جعلوه إلها يعبد، وهل هناك أقل عقلا من هؤلاء؟ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ بل اتبع الذين... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٤٦