لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلبه
ولو قعدت أتاني لا يعنيني
ثم يقول سبحانه بعد هذا المثل: ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾ [الروم: 28] أي: نبينها ونوضحها، بحيث لو عرضت على العقل مجردا عن الهوى لا ينتهي إلا إليها، ومعنى ﴿ يعقلون ﴾ [الروم: 28] من العقل، وسمي عقلا لأنه يعقل صاحبه ويقيده عما لا يليق. والبعض يظن أن العقل إنما جعل لترتع به في خواطرك، إنما هو جاء ليقيد هذه الخواطر، ويضبط السلوك، يقول لك: اعقل خواطرك وادرسها لا تنطلق فيها على هواك تفعل ما تحب، بل تفعل ما يصح وتقول ما ينبغي. إذن: ما قصرنا في البيان ولا في التوضيح.
ويتجلى دور العقل المجرد وموافقته حتى للوحي في سيرة الفاروق عمر رضي الله عنه، وفي وجود رسول الله، وهو ينزل عليه الوحي يأتي عمر ويشير على رسول الله بأمور، فينزل الوحي موافقا لرأي عمر، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يلفت أنظارنا إلى أن العقل الفطري إذا فكر في أمر بعيدا عن الهوى لا بد أن يصل إلى الصواب وأن يوافق حقائق الدين، أما إن تدخل الهوى فسد الفكر. وقوله تعالى ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾ [الروم: 28] العقل وسيلة من وسائل الإدراك في الإنسان لأن الله تعالى قال:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
[النحل: 78]. لكن، كيف تربى الأمور العقلية في الناس؟ تربى عن طريق الحواس والإدراك، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق، واليد تلمس، والأنف يشم، إلى آخر الحواس التي توصلنا إليها كحاسة البين، وحاسة العضل وغيرها. لذلك احتاط العلماء في تسمية الحواس فقالوا " الحواس الخمس الظاهرة " ليدعوا المجال مفتوحا لحواس أخرى، فهذه الوسائل تدرك المعلومات وتنقلها إلى العقل ليراجعها وينتهي فيها إلى قضايا يجعلها دستورا لحياته، فأنت تأكل مثلا العسل فتدرك حلاوته، وتأكل الجبن فتدرك ملوحته، فتتكون لديك قضية عقلية أن هذا حلو، وهذا مالح.. إلخ. وحين تستقر هذه القضايا في القلب تصير عقيدة لا تخرج للتفكير مرة أخرى، ولا تمر على العقل بعد ذلك، فقد انعقد عليها الفؤاد، وترسخت في الذهن. ودور العقل أن يعقل هذه القضايا، وأن يختار بين البدائل، والأمر الذي لا بديل له لا عمل للعقل فيه، فلو أنك مثلا ستذهب إلى مكان ليس له إلا طريق واحد فلا مجال للتكفير فيه، لكن إن كان لهذا المكان أكثر من طريق فللعقل أن يفاضل بينها ويختار الأنسب منها فيسلكه. وما دام العقل هو الذي يختار فهو الميزان الذي تزن به الأشياء، وتحكم به القضايا لذلك لا بد له أن يكون سليما لتأتي نتائجه كذلك سليمة وموضوعية، ومعلوم أن الميزان يختلف باختلاف الموزون وأهميته. والحق سبحانه يعطينا مثالا لدقة الميزان في الشمس والقمر، فيقول
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5] أي: بحساب دقيق، ولولا الدقة فيهما ما أخذناهما ميزانا للوقت، فبالشمس نعرف الليل والنهار، وبالقمر نعرف الشهور. فحين يقول سبحانه ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾ [الروم: 28] يعني: أننا عملنا ما علينا من التفصيل والبيان، وتوضيح الحجج والبراهين، ولكن أنتم الذين لا تعقلون. ولما كان العقل هو آلة الاختيار بين البدائل وآلة التمييز أعفى الحق سبحانه من لا عقل له من التكاليف، أعفى الطفل الصغير الذي لم يبلغ لأن عقله لم ينضج بعد، ولأن حواسه لم تكتمل. وتتجلى حكمة الشارع في قول النبي صلى الله عليه وسلم
" مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر "
فجعل من ضمن تكليف الآباء أن يكلفوا هم الأبناء في هذه السن، لتكون لهم دربة على طاعة الأمر والنهي في وقت ليس عليهم تكليف مباشر من الله تعالى. فإذا كبر الصغير يستقبل تكليفي كما استقبل تكليفك أولا، وربك ما افتات عليك في هذه المسألة، فأعطاك حق التكليف بالصلاة، وأعطاك حق أن تعاقبه إن قصر، فأنت الذي تكلف، وأنت الذي تعاقب. وأعفى المجنون لأن آلة الاختيار عنده غير سليمة وغير صالحة، وقلنا: إن علامة النضج في الإنسان أن يصير قادرا على إنجاب مثله، ومثلنا لذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نضجها، بحيث إذا أكلت زرعت بذرتها، فأنبتت ثمرة جديدة، وهكذا يحدث بقاء النوع وتستمر الدورة. فربك لا يريد أن تأكل أكلة واحدة، ثم تحرم أو يحرم من يأتي بعدك، إنما يريد أن تأكل ويأكل كل من يأتي بعدك، فلا تأخذ الثمرة حلاوتها إلا بعد نضج بذرتها، وصلاحيتها للإنبات. وقوله تعالى: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ [الروم: 28] يدل على أن الذين يتخذون مع الله شركاء غير عاقلين، وإلا فما معنى عبادة الأصنام أو الأشجار أو الشمس أو القمر؟ وقد قالوا بألسنتهم: