أما حين تقول مستفهما: ألم أفعل فعل كذا وكذا؟ فإنك تلجئه إلى واقع لا يملك إنكاره، ولا يستطيع أن يفر منه، ولا يملك إلا أن يعترف لك بجميلك ولا أقل من أن يسكت، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت. لذلك يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخلقه ﴿ هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء.. ﴾ [الروم: 28] لا بد أن يقولوا: لا ليس لنا شركاء في أموالنا، إذن: لماذا جعلتم لله شركاء؟ وقوله تعالى: ﴿ في ما رزقناكم.. ﴾ [الروم: 28] سبق أن تحدثنا في مسألة الرزق وقلنا: إن الله تعالى هو الرازق، ومع ذلك احترم ملكية خلقه، واحترم سعيهم: لأنه سبحانه واهب هذا الملك، ولا يعود سبحانه في هبته لخلقه لذلك لما أراد أن يحنن قلوب خلقه على خلقه قال:
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..
[البقرة: 245] فاعتبر صدقتك على أخيك الفقير قرضا يرده إليك مضاعفا. والرزق لا يقتصر على المال - كما يظن البعض - إنما رزقك كل ما انتفعت به فهو رزق ينبغي عليك أن تفيض منه على من يحتاجه، وأن تعديه إلى من يفتقده، فالقوي رزقه القوة يعديها للضعيف، والعالم رزقه العلم يعديه للجاهل، والحليم رزقه حلم يعديه للغضوب وهكذا، وإلا فالمال أهون ألوان الرزق لأن الفقير الذي لا يملك مالا ولم يتصدق أحد عليه قصارى ما يحدث له أن يجوع ويباح له في هذه الحالة أن يسأل الناس، وما رأينا أحدا مات جوعا. لكن ينبغي على الفقير إن ألجأته الحاجة للسؤال أن يسأل بتلطف ولين، فإن كان جائعا لا يسأل الناس مالا إنما لقمة عيش وقطعة جبن أو ما تيسر من الطعام ليسد جوعته، وسائل الطعام لا يكذبه أحد لأنه ما سأل إلا عن جوع، حتى لو سألك وهو شبعان فأعطيته ما استطاع أن يأكل، أما سائل المال فقد نظن فيه الطمع وقصد الادخار. إذن: أفضح سؤال سؤال القوت. لذلك في قصة الخضر وموسى عليهما السلام:
حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما..
[الكهف: 77] فلما منعوهم حتى لقمة العيش استحقوا أن يوصفوا بألأم الناس، وقد أباح الشرع للجائع أن يسأل الطعام من اللئيم فإن منعه فللجائع أن يأخذه ولو بالقوة، وإذا رفع أمره إلى القاضي أيده القاضي، لذلك يقولون فيه: طالب قوت ما تعدى. والحق سبحانه تكفل لك برزقك، إنما جعل للرزق أسبابا وكل ما عليك أن تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل بالك هما في موضوعه، وإياك أن تظن أن السعي هو مصدر الرزق، فالسعي سبب، والرزق من الله، وما عليك إلا أن تتحرى الأسباب، فإن أبطأ رزقك فأرح نفسك لأنك لا تعرف عنوانه، أما هو فيعرف عنوانك وسوف يأتيك يطرق عليك الباب.
والذي يتعب الناس أن يظل الواحد منهم مهموما لأمر الرزق مفكرا فيه، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفل برزقه لاستراح، فإن أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى. ونذكر هنا قصة عروة بن أذينة وكان صديقا لهشام بن عبد الملك بالمدينة قبل أن يتولى هشام الخلافة، فلما أصبح هشام أميرا للمؤمنين انتقل إلى دمشق بالشام، أما عروة فقد أصابته فاقة، فلما ضاق به الحال تذكر صداقته القديمة لهشام، وما كان بينهما من ود، فقصده في دمشق عله يفرج ضائقته. جاء عروة إلى دمشق واستأذن على الخليفة فأذن له، فدخل وعرض على صاحبه حاجته وكله أمل في أن ينصفه ويجبر خاطره، لكن هشاما لم يكن موفقا في الرد على صديقه حيث قال: أتيت من المدينة تسألني حاجتك وأنت القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
فقال عروة بعد أن كسر صديقه بخاطره: جزاك الله عني خيرا يا أمير المؤمنين، لقد نبهت مني غافلا، وذكرت مني ناسيا، ثم استدار وخرج. وعندها أدار هشام الأمر في نفسه وتذكر ما كان لعروة من ود وصداقة، وشعر بأنه أساء إليه فأنبه ضميره، فاستدعى صاحب الخزانة، وأمر لعروة بعطية كبيرة، وأرسل بها من يلحق به. لكن كلما وصل الرسول إلى محطة وجد عروة قد فارقها حتى وصل إلى المدينة، ودق على عروة بابه، وكان الرسول لبقا، فلما فتح عروة الباب قال: ما بكم؟ قال: رسل هشام، وتلك صلة هشام لك لم يرض أن تحملها أنت خوفا عليك من قطاع الطريق، أو تحمل مؤونة حملها، فأرسلنا بها إليك. فقال عروة: جزى الله أمير المؤمنين خيرا، قولوا له لقد ذكرت البيت الأول، ولو ذكرت الثاني لأرحت واسترحت، لقد قلت: