فحين تقول:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 1] تعني: إن وجد مثل لله لا يوجد مثل لهذا المثل، فنفيت المثل من باب أولى لأن الأضعف وهو المثل المشبه أضعف من المشبه به، فإذا كان المثل أضعف من الممثل ولا يوجد مثل للأضعف، فكيف يوجد مثل للأقوى؟ وانظر إلى جمال الحق سبحانه حين يجلي للخلق مثلا في دنياهم، ويجعل من ذاته - سبحانه وتعالى - المماثلة، يقول تعالى ليقرب لأفهامنا كيفية نوره:
الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء..
[النور: 35]. فالله - سبحانه وتعالى - يضرب المثل لنوره بالمشكاة، السطحيون يظنون أن المشكاة هي المصباح، لكن الله يقول
كمشكاة فيها مصباح..
[النور: 35] والمشكاة تجويف في الحائط، مثل الطاقة غير نافذة، فإن كانت نافذة نسميها شباكا، وكانوا في الماضي يضعون المصباح في هذه الفجوة ليضيء الحجرة، والفجوة هذه أو المشكاة تجمع الضوء وتقويه لذلك يكون الضوء فيها أقوى من ضوء الحجرة، أو: أن المصباح يستوعب المشكاة أكثر من استيعابه للحجرة كلها. وبتأمل هذا المعنى نرى أن الحق سبحانه لا يضرب لنا مثلا لنوره إنما لتنويره، فتنوير الله تعالى مثل المشكاة التي فيها المصباح، والمصباح يدل على الرقي في وسائل الإضاءة، فدونه مثلا الشعلة، وهو فتيل يوقد في الهواء ويكون له دخان أسود، أما المصباح فله زجاجة تحجز عنه الهواء إلا بقدر ما يكفي لاحتراق الفتيل، فيأتي الضوء منه صافيا. ثم هو فضلا عن ذلك في زجاجة ليست عادية، إنما
كأنها كوكب دري..
[النور: 35] أي: مثل الدرة التي تضيء بذاتها، هذا المصباح يوقد من شجرة زيتونة معتدلة المزاج
لا شرقية ولا غربية..
[النور: 35] فتصور هذا المصباح في مكان ضيق لا في الحجرة كلها، إنما في المشكاة كيف يكون ضوؤه؟ كذلك تنوير الله - سبحانه وتعالى - للسماوات والأرض على سعتهما، فنوره تعالى يستوعبهما، لا يترك منهما مكانا مظلما كالطاقة بالنسبة لهذا المصباح الذي وصفنا. ولهذا المثل قصة شهيرة في الأدب العربي، فقد فطن إليها أبو تمام في مدحه أحد الخلفاء، وحين أراد أن يجمع له ملكات العرب ومواهبهم من الجود والشجاعة والحلم والذكاء، قال مادحا:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
وفي حلم أحنف في ذكاء إياس
وقد اشتهر عمرو بن معدي كرب بالشجاعة والإقدام، واشتهر حاتم الطائي بالكرم، وأحنف بن قيس بالحلم حتى قيل " أحلم العرب " فلا يغضبه شيء أبدا، ولا يخرجه عن حلمه، حتى أن جماعة قصدوا أن يخرجوه عن حلمه، فتكون سابقة لهم فتبعوه في الطريق، وأخذوا يهزءون به وهو يضحك، حتى قارب من الحي، فنظر إلى هؤلاء الفتية وقال: أيها الفتية، لقد قربنا من الحي، فإن كان في جوفكم استهزاء بي فافرغوا منه لأنهم لو ظفروا بكم لقتلوكم.
أما إياس بن معاوية فكان مضرب المثل في الذكاء، وهكذا جمع أبو تمام لممدوحه خلاصة ما تعرفه العرب من مواهب. وهنا قام له واحد من خصومه وقال: أتشبه الخليفة بأجلاف العرب، فمن يكون هؤلاء إذا ما قورنوا بأمير المؤمنين؟ وهذا الاعتراض مأخوذ من قول الشاعر:
وشبهه المداح في البأس والندى
بمن لو رآه كان أصغر خادم
ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر
وأمضى وفي خدامه ألف حاتم
فلما قيل لأبي تمام: كيف تشبه الخليفة بأجلاف العرب أحجم هنيهة ثم رفع رأسه، وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلا من المشكاة والنبراس
ومع دقة الاستشهاد وطرافته إلا أن خصومه اتهموه بأن ذلك ليس ارتجالا لوقته، إنما هو معد لهذا الموقف سلفا، وبعض الدارسين للأدب يقول بذلك وقاله لنا مدرس الأدب، لكن يروى أنهم لما أخذوا الورقة التي مع أبي تمام لم يجدوا فيها هذه الأبيات، ثم على فرض أن الرجل أعدها قبل هذا الموقف فإنها تحسب له لا عليه، وتضيف إليه ذكاء آخر لأنه استدرك على ما يمكن أن يقال فاستعد له. وكما أن الحق سبحانه وتعالى له المثل الأعلى في الأرض، فلا مثيل له، كذلك له المثل الأعلى في السماء فلا مثيل له، مع أن ما في السماء غيب، وهم الملائكة من صفاتهم كذا وكذا، فلله المثل الأعلى في السماوات. ثم يقول سبحانه: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ [الروم: 27] أي: أنه سبحانه وتعالى بذاته عزيز لا يغلب، ومع عزته سبحانه حكيم لا يظلم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم... ﴾.