تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه

[القصص: 73] فجمعهما معا، ثم ذكر تفصيل ذلك على الترتيب

لتسكنوا فيه

[القصص: 73] أي: في الليل

ولتبتغوا من فضله

[القصص: 73] أي: في النهار. وهذا أسلوب يعرف في اللغة باللف والنشر، وهو أن تذكر عدة أشياء محكوما عليها، ثم تذكر بعدها الحكم عليها جملة، وتتركه لذكاء السامع ليرجع كل حكم إلى المحكوم عليه المناسب. ومن ذلك قول الشاعر:

قلبي وجفني واللسان وخالقي

راض وباك شاكر وغفور

فجمع المحكوم عليه في ناحية، ثم الحكم في ناحية، فجمع المحكوم عليه يسمى لفا، وجمع الحكم يسمى نشرا. وهاتان الآيتان من الآيات التي وقف أمامها العلماء، ولا نستطيع أن نخرج منهما بحكم إلا بالجمع بين الآيات، لا أن نفهم كل آية على حدة، فنلحظ هنا في الآية التي معنا ﴿ ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله.. ﴾ [الروم: 23] أن الله تعالى جعل كلا من الليل والنهار محلا للنوم، ومحلا للسعي. وفي الآية الأخرى:

ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه

[القصص: 73] ثم قال

ولتبتغوا من فضله

[القصص: 73] ولم يقل فيه ويجب هنا أن نتنبه، فهذه آية كونية أن يكون الليل للنوم والسكون والراحة، والنهار للعمل وللحركة، فلا مانع أن نعمل بالليل أيضا، فبعض الأعمال لا تكون إلا بليل، كالحراس ورجال الأمن والعسس والخبازين في المخابز وغيرهم، وسكن هؤلاء يكون بالنهار، وبهذا الفهم تتكامل الآيات في الموضوع الواحد. إذن: فقوله تعالى: ﴿ وابتغآؤكم من فضله.. ﴾ [الروم: 23] يعني: طلب الرزق والسعي إليه يكون في النهار ويكون في الليل، لكن جمهرة الناس يبتغونه بالنهار ويسكنون بالليل، والقلة على عكس ذلك. فإن قلت: هذا عندنا حيث يتساوى الليل والنهار، فما بالك بالبلاد التي يستمر ليلها مثلا ثلاثة أشهر، ونهارها كذلك، نريد أن نفسر الآية على هذا الأساس، هل يعملون ثلاثة أشهر وينامون ثلاثة أشهر؟ أم يجعلون من أشهر الليل ليلا ونهارا، ومن أشهر النهار أيضا ليلا ونهارا؟ لا مانع من ذلك لأن الإنسان لا يخلو من ليل للراحة، ونهار للعمل أو العكس، فكل من الليل والنهار ظرف للعمل أو للراحة.

لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - يمتن علينا بتعاقب الليل والنهار، فيقول سبحانه:

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون

[القصص: 71] وذيل الآية بأفلا تسمعون

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون

[القصص: 72] وذيل هذه بأفلا تبصرون، لماذا؟ قالوا: لأن النهار محل الرؤية والبصر، أما الليل فلا بصر فيه، فيناسبه السمع، والأذن هي الوسيلة التي تؤدي مهمتها في الليل عندما لا تتوفر الرؤية. وفي موضع آخر:

وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا

[الفرقان: 62] فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، هذا في الزمن العادي الذي نعيشه، أما في بدء الخلق فأيهما كان أولا، ثم خلفه الآخر؟ فإن قلت: إن الليل جاء أولا، فالنهار بعده خلفة له، لكن الليل في هذه الحالة لا يكون خلفة لشيء، والنص السابق يوضح أن كلا منهما خلفة للآخر، إذن: فما حل هذا اللغز؟ مفتاح هذه المسألة يكمن في كروية الأرض، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر في بداية البعثة بهذه الحقيقة لما صدقوه، كيف ونحن نرى من ينكر هذه الحقيقة حتى الآن. والحق - سبحانه وتعالى - لا يترك قضية كونية كهذه دون أن يمسها ولو بلطف وخفة، حتى إذا ارتقت العقول تنبهت إليها، فلو أن الأرض مسطوحة وخلق الله تعالى الشمس في مواجهة الأرض لاستطعنا أن نقول: إن النهار جاء أولا، ثم عندما تغيب الشمس يأتي الليل، أما إن كانت البداية خلق الأرض غير مواجهة للشمس، فالليل في هذه الحالة أولا، ثم يعقبه النهار، هذا على اعتبار أن الأرض مسطوحة. وما دام أن الخالق - عز وجل - أخبر أن الليل والنهار كل منهما خلفة للآخر، فلا بد أنه سبحانه خلق الأرض على هيئة بحيث يوجد الليل ويوجد النهار معا، فإذا ما دارت دورة الكون خلف كل منهما الآخر، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض مكورة، فما واجه الشمس منها صار نهارا، وما لم يواجه الشمس صار ليلا. لذلك يقول سبحانه في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٣٤