لذلك نرى رجال البحث الجنائي ينظمون خطة للبحث عن المجرم قد تطول، لماذا؟ لأنهم يريدون أن يضيقوا دائرة البحث فيخرجون منها من لا تنطبق عليه مواصفاتهم، وما يزالون يضيقون الدائرة حتى يصلوا للجاني. والحق - تبارك وتعالى - يقول:
يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا..
[الحجرات: 13]. فالتميز والتعارف أمر ضروري لاستقامة حركة الحياة، ألا ترى الرجل يضع لكل ولد من أولاده اسما يميزه، فإن عشق اسم محمد مثلا، وأحب أن يسمى كل أولاده محمدا لا بد أن يميزه، فهذا محمد الكبير، وهذا محمد الصغير، وهذا الأوسط.. الخ. إذن: لا بد أن يتميز الخلق لنستطيع تحديد المسئوليات. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن في ذلك.. ﴾ [الروم: 22] أي: في الخلق على هذه الهيئة الحكيمة المحكمة ﴿ لآيات.. ﴾ [الروم: 22] لنعتبر بها، فالخالق سبحانه إن وحد الصفات فدليل على الحكمة، وإن اختلفت فدليل على طلاقة القدرة. وانظر مثلا إلى الصانع الذي يصنع أكواب الزجاج، تراه يأخذ عجينة الزجاج ويصبها في قالب قتخرج جميعها على شكل واحد، أما الخباز مثلا فيأخذ العجينة ويجعلها رغيفا فلا ترى رغيفا مثل الآخر. أما الخالق - عز وجل - فيخلق بحكمة وبطلاقة قدرة، ويخلق سبحانه ما يشاء، غير محكوم بقالب معين. وقوله ﴿ للعالمين.. ﴾ [الروم: 22] أي: الذين يبحثون في الأشياء، ولا يقفون عند ظواهرها، إنما يتغلغلون في بطونها، ويسبرون أغوارها للوصول إلى حقيقتها. لذلك يلوم علينا ربنا عز وجل:
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
[يوسف: 105] فلا يليق بأصحاب العقول أن يغفلوا عن هذه الآيات، إنما يتأملونها ليستنبطوا منها ما ينفعهم في مستقبل حياتهم، كما نرى في المخترعات والاكتشافات الحديثة التي خدمت البشرية، كالذي اخترع عصر البخار، والذي اخترع العجلة، والذي اكتشف الكهرباء والجاذبية والبنسلين.. الخ، إذن: نمر على آيات الله في الكون بيقظة، وكل العلوم التجريبية نتيجة لهذه اليقظة. والعالمون: جمع عالم، وكانت تطلق في الماضي على من يعرف الحلال والحرام، لكن هي أوسع من ذلك، فالعالم: كل من يعلم قضية كونية أو شرعية، ويسمى هذا " عالم بالكونيات " وهذا عالم بالشرع، وإن شئت فاقرأ:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك..
[فاطر: 27-28]. فذكر سبحانه النبات، ثم الجماد، ثم الناس، ثم الحيوان. ثم يقول سبحانه:
إنما يخشى الله من عباده العلماء..
[فاطر: 28] على إطلاقها فلم يحدد أي علماء: علماء النبات، أو الحيوان، أو الجمادات، أو علماء الشرع، إذن: العالم كل من يعلم حقيقة في الكون وجودية أو شرعية من عند الله.
لكن، لماذا أطلقوا العالم على العالم بالشرع خاصة؟ قالوا: لأنه أول العلوم المفيدة التي عرفوها لذلك رأينا من آداب العلم في الإسلام ألا يدخل علماء الشرع أنفسهم في الكونيات، وألا يدخل علماء الكونيات أنفسهم في علوم الشرع. والذي أحدث الاضطراب بين هذه التخصصات أن يقول مثلا علماء الكونيات بأن الأرض تدور حول الشمس، فيقوم من علماء الدين من يقول: هذا مخالف للدين - هكذا عن غير دراسة، سبحان الله، لماذا تقحم نفسك فيما لا تعلم؟ وماذا يضيرك كعالم بالشرع أن تكون الأرض كرة تدور أو لا تدور؟ ما الحرام الذي زاد بدوران الأرض وما الحلال الذي انتقص؟ كذلك الحال لما صعد الإنسان إلى القمر، اعترض على ذلك بعض رجال الدين. كذلك نسمع من لا علم له بالشرع يعترض على بعض مسائل الشرع يقول: هذه لا يقبلها العقل. إذن: آفة العلم أن يقحم العالم نفسه فيما لا يعلم، ولو التزم كل بما يعلم لارتاح الجميع، وتركت كل ساحة لأهلها. وعجيب أن يستشهد رجال الدين على عدم كروية الأرض بقوله تعالى: