تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يوشك رجل من أمتي يتكىء على أريكته يحدث بالحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ".

لماذا؟ لأن الله تعالى أعطاه تفويضا في أن يشرع لأمته، فقال تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7] فللرسول إيتاء، وللرسول أمر ونهي يجب أن يطاع بطاعتنا لله. وتعال لمن ينكر السنة ويقول: علينا بالقرآن - عندما يصلي المغرب مثلا واسأله: كم ركعة صليت المغرب؟ سيقول: ثلاث ركعات، فمن أين علم أن المغرب ثلاث ركعات؟ أمن القرآن الذي يتعصب له، أم من السنة التي ينكرها. إذن: كيف يتعبد على قول رسول الله ثم ينكره؟ إذن: فالحق - سبحانه وتعالى - بين مراحل خلق الإنسان من تراب، صار طينا، ثم صار حمأ مسنونا، ثم صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه الله من روحه، ونحن لم نشاهد هذه المسألة، إنما أخبرنا بها، ومن رحمته تعالى بخلقه، ولكي لا تحار عقولهم حينما تبحث هذه العملية يعطينا في الكون المشاهد لنا شواهد توضح لنا الغيب الذي لم نشاهده.

ففي أعرافنا أن هدم الشيء أو نقض البناء يأتي على عكس البناء، فما بني أولا يهدم آخرا، وما بني آخرا يهدم أولا، وأنت لم تشاهد عملية الخلق، لكن شاهدت عملية الموت، والموت نقض للحياة. ولك أن تتأمل الإنسان حينما يموت، فأول نقض لبنيته أن تخرج منه الروح، وكانت آخر شيء في بنائه، ثم يتصلب الجسد ويتجمد، كما كان في مرحلة الصلصالية، ثم يتعفن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم تمتص الأرض ما فيه من مائية ليصير إلى التراب كما بدأه خالقه من تراب، إذن: صدق الله تعالى في المشهد حين بين لنا الموت، فصدقنا ما قاله في الحياة. وكما أن التراب والطين هما أصل الإنسان فهما أيضا مصدر الخصب والنماء، ومخازن للقوت وهما مقوم من مقومات حياتنا: لذلك لما تكلم القرآن عن التراب قال سبحانه:

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها..

[فصلت: 9-10] يعني: في الجبال لأنها أقرب مذكور أو في الأرض عموما لأن الرواسي في الأرض

وقدر فيهآ أقواتها..

[فصلت: 10]. فالقوت يأتينا من طينة الأرض، ومن التراب الذي يتفتت من الجبال مكونا الطمي أو الغرين الذي يحمله إلينا ماء المطر، فالأرض هي أمنا الحقيقية، منها خلقنا، ومنها مقومات حياتنا. وعجيب أن نرى من العلماء غير المؤمنين من يثبت صدق القرآن في مسألة خلق الإنسان من طين حين حللوا عناصر الأرض فوجدوها ستة عشر عنصرا هي نفسها التي وجدوها في جسم الإنسان، وكأن الحق سبحانه يجند من يثبت صدق آياته ولو من الكفار. وصدق الله العظيم حين قال:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..

[فصلت: 53]. وفي القرآن آيات تدل على معادلات لو بحثها الكمبيوتر الآن لا بد أن نؤمن بأن هذا الكلام من عند الله وأنه صدق. تأمل ظاهرة اللغة، وكيف نتكلم ونتفاهم، فأنت إذا لم تتعلم الإنجليزية مثلا لا تفهمها وكذلك هو لا يفهم العربية. لماذا؟ لأ ن اللغة وليدة المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، وهي ظاهرة اجتماعية، فلو عاش الإنسان وحده لما احتاج للغة لأنه سيفعل ما يطرأ على باله وفقط. أما حين يعيش في جماعة فلا بد له أن يتفاهم معهم، يأخذ منهم ويأخذون منه، يسمع منهم ويسمعون منه، حتى الأخرس لا بد له من لغة يتفاهم بها مع من حوله، ويستخدم فعلا لغة الإشارة، وقد أقدره الله على فهمها.

والله سبحانه يبقي للإنسان المتكلم دلالات الإشارة في النفس الناطقة، فمثلا لو اضطررت للكلام وفي فمك طعام، فإنك تشير لولدك أو لخادمك مثلا ويفهم عنك ويفعل ما تريد. إذن: فينا نحن الأسوياء بقايا خرس نستعمله، حينما لا يسعفنا النطق إذن: التفاهم أمر ضروري، واللغة وليدة المحاكاة لذلك نقول للولد الصغير: لا تخرج إلى الشارع، لماذا؟ حتى لا تسمع أذنه كلاما قبيحا فيحكيه هو. إذن: كيف تعلمت اللغة؟ تعلمتها من أبي ومن المحيط بي، وتعلمها أبي من أبيه، ومن المحيطين به، وهكذا. ولك أن تسلسل هذه المسألة كما سلسلنا التكاثر في الإنسان، وسوف نعود بالتالي إلى أبينا آدم عليه السلام، وعندها نقول: ومن علم آدم اللغة؟ يرد علينا القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٢٧