تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما لأبي حمزة لا يأتينا

غضبان ألا نلد البنينا

تالله ما ذلك في أيدينا

ونحن كالأرض لزارعينا

نعطي لهم مثل الذي أعطينا

والحق سبحانه بهذا يريد أن يقول: إنني أريد خليفة متكاثرا ليعمر هذه الأرض الواسعة، فإذا رأيت مكانا قد ضاق بأهله فاعلم أن هناك مكانا آخر خاليا، فالمسألة سوء توزيع لخلق الله على أرض الله. لذلك يقولون: إن سبب الأزمات أن يوجد رجال بلا أرض، وأرض بلا رجال، وضربنا مثلا لذلك بأرض السودان الخصبة التي لا تجد من يزرعها، ولو زرعت لكفت العالم العربي كله، في حين نعيش نحن في الوادي والدلتا حتى ضاقت بنا، فإن فكرت في الهجرة إلى هذه الأماكن الخالية واجهتك مشاكل الحدود التي قيدوا الناس بها، وما أنزل الله بها من سلطان. لذلك لما أتيح لنا الحديث في الأمم المتحدة قلت لهم: آية واحدة في كتاب الله لو عملتم بها لحلت لكم المشاكل الاقتصادية في العالم كله، يقول تعالى:

والأرض وضعها للأنام

[الرحمن: 10] فالأرض كل الأرض للأنام، كل الأنام على الإطلاق. واقرأ قوله تعالى في هذه المسألة:

ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها...

[النساء: 97] إذن: لا تعارض منهج الله وقدره في أحكامه، ثم تشكو الفساد والضيق والأزمات، إنك لو استقرأت ظواهر الكون لما وجدت فسادا أبدا إلا فيما تتناوله يد الإنسان على غير القانون والمنهج الذي وضعه خالق هذا الكون سبحانه، أما ما لا تتناوله يد الإنسان فتراه منضبطا لا يختل ولا يتخلف. إذن: المشاكل والأزمات إنما تنشأ حينما نسير في كون الله على غير هدى الله وبغير منهجه لذلك تسمع من يقول: العيشة ضنك، فلا يقفز إلى ذهنك عند سماع هذه الكلمة إلا مشكلة الفقر، لكن الضنك أوسع من ذلك بكثير، فقد يوجد الغنى والترف ورغد العيش، وترى الناس مع ذلك في ضنك شديد. فانظر مثلا إلى السويد، وهي من أغنى دول العالم، ومع ذلك يكثر بها الجنون والشذوذ والعقد النفسية، ويكثر بها الانتحار نتيجة الضيق الذي يعانونه، مع أنهم أغنى وأعلى في مستوى دخل الفرد.

فالمسألة - إذن - ليست حالة اقتصادية، إنما مسألة منهج لله تعالى غير مطبق وغير معمول به، وصدق الله:

ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى

[طه: 124]. لذلك لو عشنا بمنهج الله لوجدنا لذة العيش ولو مع الفقر. وقوله تعالى: ﴿ لتسكنوا إليها.. ﴾ [الروم: 21] هذه هي العلة الأصيلة في الزواج، أي: يسكن الزوجان أحدهما للآخر، والسكن لا يكون إلا عن حركة، كذلك فالرجل طوال يومه في حركة العمل والسعي على المعاش يكدح ويتعب، فيريد آخر النهار أن يسكن إلى من يريحه ويواسيه، فلا يجد غير زوجته عندها السكن والحنان والعطف والرقة، وفي هذا السكن يرتاح ويستعيد نشاطه للعمل في غد. لكن تصور إن عاد الرجل متعبا فلم يجد هذا السكن، بل وجد زوجته ومحل سكنه وراحته تزيده تعبا، وتكدر عليه صفوه. إذن: ينبغي للمرأة أن تعلم معنى السكن هنا، وأن تؤدي مهمتها لتستقيم أمور الحياة. ثم إن الأمر لا يقتصر على السكن إنما ﴿ وجعل بينكم مودة ورحمة.. ﴾ [الروم: 21] المودة هي الحب المتبادل في مشوار الحياة وشراكتها، فهو يكدح ويوفر لوازم العيش، وهي تكدح لتدبر أمور البيت وتربية الأولاد لأن الله يقول

إن سعيكم لشتى

[الليل: 4] هذا في إطار من الحب والحنان المتبادل. أما الرحمة فتأتي في مؤخرة هذه الصفات: سكن ومودة ورحمة، ذلك لأن البشر عامة أبناء أغيار، وكثيرا ما تتغير أحوالهم، فالقوي قد يصير إلى الضعف، والغني قد يصير إلى فقر، والمرأة الجميلة تغيرها الأيام أو يهدها المرض... إلخ. لذلك يلفت القرآن أنظارنا إلى أن هذه المرحلة التي ربما فقدتم فيها السكن، وفقدتم المودة، فإن الرحمة تسعكما، فليرحم الزوج زوجته إن قصرت إمكاناتها للقيام بواجبها، ولترحم الزوجة زوجها إن أقعده المرض أو أصابه الفقر.. الخ. وكثير من كبار السن من الذين يتقون الله ويراعون هذه التعاليم يعيشون حياتهم الزوجية على هذا المبدأ مبدأ الرحمة، لذلك حينما يلمحون للمرأة التي أقعد المرض زوجها تقول: أنا آكله لحم وأرميه عظم؟ هذه هي المرأة ذات الدين التي تعيدنا إلى حديث رسول الله في اختيار الزوجة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٢٩