لذلك يقول سبحانه:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5] أي: مخلوقة بحساب ولأنه سبحانه خلقها بحساب جعلها آلة للحساب، فقال:
والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 39-40]. ويقول سبحانه:
وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب..
[يونس: 5] وهل تعلمون بالقمر عدد السنين والحساب، إلا إذا كان هو مخلوقا بحساب؟ ومع ذلك، ومع أن الكون خلقه الله بالحق الثابت إياك أن تظن أن ثباته دائم باق لأن الله تعالى خلقه على هيئة الثبات لأجل ﴿ إلا بالحق وأجل مسمى.. ﴾ [الروم: 8] فبعد أن ينقضي هذا الأجل الذي أجله الله تكور الشمس وتنكدر النجوم، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فالأمر ليس مجرد أن يتغير الشيء الثابت، إنما يزول وينتهي. ثم يقول سبحانه ﴿ وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون ﴾ [الروم: 8] كنا نجادل الشيوعيين نقول لهم: لقد بالغتم في تعذيب مخالفيكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وتعديتم في عقابكم، قالوا: لأنهم ظلموا وأفسدوا في المجتمع، فقلنا لهم: فما بال الذين ظلموا قبل هؤلاء وماتوا ولم ينالوا ما يستحقون من العقاب؟ أليس من العدل أن تقولوا بدار أخرى يعاقبون فيها على ما اقترفوه؟ ألا يلفتكم هذا إلى ضرورة القيامة، ووجوب الإيمان بها؟ فمن أفلت من أيديكم في الدنيا عاقبه الله تعالى في الآخرة، ثم أنتم ترون مبدأ الثواب والعقاب في كل شيء، فالذي أطلق لنفسه العنان في الدنيا، وسار فيها على هواه، وعاث في الأرض فسادا، ولم تنله يد العدالة فهو الفائز إن لم تكن له دار أخرى يحاسب فيها. إذن: فالإيمان بالآخرة وبلقاء الله ضرورة يقتضيها المنطق السليم، ومع ذلك يكفر بها كثير من الناس ﴿ وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون ﴾ [الروم: 8]. فالمؤمن يجب أن يكون على ثقة بهذا اللقاء لأن قوانين الأرض إنما تحمي من ظاهر المنكر، وأما باطن المنكر فلا يعلمه إلا الله، فلا بد من فترة يعاقب فيها أصحاب باطن المنكر.