تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الفجر: 6-8] وكانوا في رمال الأحقاف

وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب

[الفجر: 9-13]. لقد كان لكل هؤلاء حضارات ما زالت حتى الآن تبهر أرقى حضارات اليوم، فيأتون إليها ليتأملوا ما فيها من أسرار وعجائب، ومع ذلك لم تستطع هذه الحضارات أن تحمي نفسها من الدمار والزوال، وما استطاعت أن تمنع نفسها من عذاب الله حين حل بها، إذن: لكم في هؤلاء عبرة. وكأن الحق سبحانه في قوله: ﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.. ﴾ [الروم: 9] يقول لكفار قريش: أنتم يا مشركي قريش أقل الأمم، لا قوة لكم، ولا مال ولا حضارة ولا عمارة، فمن اليسير علينا أن نأخذكم كما أخذنا من هم أقوى منكم، إنما سبق أن أخذتم العهد في قوله سبحانه:

وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون

[الأنفال: 33]. لذلك يقول بعدها: ﴿ كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها.. ﴾ [الروم: 9] فالأمم المكذبة التي أخذها الله وجعلها لكم عبرة كانت أقوى منكم، وأخصب أرضا، لذلك أثاروا الأرض. أي: حرثوها للزراعة وللإعمار، وأنتم بواد ذي ذرع، والحرث يطلق على الزرع كما في قوله سبحانه:

ويهلك الحرث والنسل..

[البقرة: 205]. ذلك لأن الأرض لا تنبت النبات الجيد إلا إذا أثارها الفلاح، وقلبها ليتخلل الهواء تربتها، فتجود عليه وتؤدي مهمتها كما ينبغي، أما إن تركتها هامدة متماسكة التربة والذرات، فإنها تمسك النبات ولا تعطي فرصة للجذور البسيطة لأن تمتد في التربة، خاصة في بداية الإنبات.

وفي موضع آخر يقول - سبحانه وتعالى - عن النبات:

أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

[الواقعة: 63-64]. وفي قصة البقرة مع بني إسرائيل لما تلكئوا في ذبحها وطلبوا أوصافها، قال لهم الحق سبحانه:

إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث..

[البقرة: 71]. يعني: بقرة مرفهة غير سهلة الانقياد، فلا تستخدم، لا في حرث الأرض وإثارتها، ولا في سقيها بعد أن تحرث لذلك تجد أن الفلاح الواعي لا بد أن يثير الأرض ويقلب تربتها قبل الزراعة، ويتركها فترة ليتخللها الهواء والشمس، ففي هذا إحياء للتربة وتجديد لنشاطها، كما يقولون أيضا: قبل أن تزرع ما تحتاج إليه انزع ما لا تحتاج إليه. إذن: فهؤلاء القوم كانت لهم زروع وثمار تمتعوا بها وجمعوا خيراتها. ومعنى ﴿ عمروها.. ﴾ [الروم: 9] أي: بما يسر الله لهم من الطاقات والإمكانات، وأعملوا فيها الموهبة التي جعلها الله فيهم، فاستخرجوا من الأرض خيراتها، كما قال سبحانه:

هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..

[هود: 61]. وإعمار الأرض يكون بكل مظهر من مظاهر الرقي والحياة، إما بالزرع أو الغرس، وإما بالبناء، وإما بشق الأنهار والمصارف وإقامة الطرق وغير ذلك مما ينفع الناس، ونفرق هنا بين الزرع والغرس: فالزرع ما تزرعه ثم تحصده مرة واحدة كالقمح مثلا، أما الغرس فما تغرسه، ويظل فترة طويلة يدر عليك، فمحصوله متجدد كحدائق الفاكهة، والزرع يكون ببذر الحب، أما الغرس فنبتة سبق إعدادها تغرس. ثم يقول سبحانه: ﴿ وجآءتهم رسلهم بالبينات.. ﴾ [الروم: 9] فبعد أن أعطاهم مقومات الحياة وإمكانات المادة وطاقاتها، وبعد أن جنوا ثمارها لم يتركهم للمادة إنما أعطاهم إمكانات القيم والدين، فأرسل لهم الرسل ﴿ بالبينات.. ﴾ [الروم: 9] أي: الآيات الواضحات الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن ربه وهذه التي نسميها المعجزات. وسبق أن ذكرنا أن كلمة الآيات تطلق على معان ثلاثة: آيات كونية دالة على قدرة الصانع سبحانه كالشمس والقمر، وآيات تؤيد الرسل وتثبت صدقهم في البلاغ عن الله وهي المعجزات، وآيات القرآن التي تحمل الأحكام والمنهج، وكلها أمور واضحة بينة. وقوله تعالى: ﴿ فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ [الروم: 9] نعم، ما ظلمهم الله لأنه سبحانه أمدهم بمقومات الحياة وإمكانات المادة، ثم أمدهم بمقومات الروح والقيم، فإن حادوا بعد ذلك عن منهجه سبحانه فما ظلموا إلا أنفسهم. ثم نقول: كيف يتأتى الظلم من الله تعالى؟ الظلم يقع نعم من الإنسان لأخيه الإنسان لأنه يحقد عليه، ويريد أن يتمتع بما في يده، فالظالم يأخذ حق المظلوم الذي لا قدرة له على حماية حقه. فكيف إذن نتصور الظلم من الله - عز وجل - وهو سبحانه مالك كل شيء، وغني عن كل شيء؟ إذن: ما ظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم حينما حادوا عن طريق الله ومنهجه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤١٥