تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ".

لو عملوا بهذا وتأدبوا بأدب رسولهم لخرجوا من هذه الأزمة، وتقلبوا في رغد من العيش، إنك لو تحليت بهذا الأدب في مسألة الطعام والشراب لكفتك اللقمة واللقمتان، وأشهى الطعام ما كان بعد جوع مهما كان بسيطا. أما الآن، فنرى الناس يلجئون إلى المشهيات قبل الطعام، وإلى المهضمات بعده، لماذا؟ لأنهم خالفوا هدي رسولهم صلى الله عليه وسلم، فهم يأكلون على شبع، ويأكلون بعد الشبع. والحق - تبارك وتعالى - يقول:

وكلوا واشربوا ولا تسرفوا..

[الأعراف: 31] وأثر عن العرب الذين عاشوا في شظف من العيش: نعم الإدام الجوع. نعم إنه الغموس الحقيقي، والمشهي الأول. نعود إلى مكانة الصلاة بين العبادات، ولماذا كانت هي عماد الدين، ومعنى:

" الصلاة عماد الدين "

و

" بني الإسلام على خمس "

أن الدين أشياء أخرى، وهذه هي أسسه وقواعده، وحين نتتبع هذه القواعد نجد أن الركن الأول، وهو أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله يمكن أن أقولها ولو مرة واحدة، أما الزكاة فلا تجب مثلا على الفقير فلا يزكي، وكذلك المريض لا يصوم، والمسافر والحائض.. إلخ، وكذلك الحج غير واجب إلا على المستطيع. إذن: ما هو الركن الثابت الذي يلازم كل مسلم، ولا يسقط عنه بحال؟ إنها الصلاة لذلك أخذت مساحة كبيرة من الوقت على مدى اليوم والليلة، وبها يكون إعلان الولاء الدائم لله تعالى، وبها تفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فإن رأيت شخصا مثلا لا يصوم أو لا يزكي أو لا يحج، فلك أن تقول ربما يكون من أصحاب الأعذار، ومن غير القادرين، لكن حين ترى شخصا لا يصلي، وقد تكرر منه ذلك فإنك لا بد شاك في إسلامه. لذلك استحقت الصلاة هذه المكانة بين سائر العبادات منذ بدايات التشريع، ألا ترى أن كل فرائض الدين شرعت بالوحي إلا الصلاة، فقد شرعت بالخطاب المباشر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج. وسبق أن مثلنا لذلك، ولله المثل الأعلى، برئيس العمل الذي يصدر أوامره بوسائل مختلفة حسب أهمية المأمور به، فقد يكتفي بأن يؤشر على ورقة، وقد يوصي بها، أو يطلب الموظف المختص فيحدثه بالتليفون، فإن كان الأمر هاما استدعاه شخصيا إلى مكتبه وكلفه بما يريد. وكان هذا الاستدعاء تشريفا لسيدنا رسول الله بقرب المرسل إليه من المرسل، فأراد الحق - سبحانه وتعالى - ألا يحرم أمه محمد فضل أسبغه على محمد فكأنه قال: من أراد من عبادي أن يقرب مني كما قرب محمد فكان قاب قوسين أو أدنى فليصل. ومعنى ﴿ وأقم الصلاة.. ﴾ [العنكبوت: 45] إقامة الشيء: أداؤه على الوجه الأكمل الذي يؤدي غايته، فالصلاة المطلوبة هي الصلاة المستوفاة الشروط والتي تقيمها كما يريدها مشرعها ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر.. ﴾ [العنكبوت: 45]. والصلاة إذا استوفت شروطها نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإذا رأيت صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنها ناقصة عما أراده الله لإقامتها، وعلى قدر النقص تكون ثمرة الصلاة في سلوك صاحبها، وكأن وقوعك في بعض الفحشاء وفي بعض المنكر يعد مؤشرا دقيقا لمدى إتقانك لصلاتك وحرصك على تمامها وإقامتها. ومعنى ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر.. ﴾ [العنكبوت: 45] واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له:

" يا رسول الله، إن فلانا يصلي، لكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فقال: " دعوه، فإن صلاته تنهاه " ".

فالمعنى هنا أن الأمر ليس أمرا كونيا ثابتا لا يتخلف، بل هو أمر تشريعي عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فلو كان الأمر كونيا ما جرؤ صاحب صلاة عل الفحشاء والمنكر، ومثال ذلك أن أقول مثلا لأولادي قبل أن أموت: يا أولادي، هذا بيت يكرم من يدخله. كلام على سبيل الخبر ولم أقل: أكرموا من يدخله، فالذي يحترم وصيتي منهم يكرم من يدخل بيتي من بعدي، والذي لا يحترم الوصية لا يكرم من يدخله. أما لو قلت: أكرموا من يدخل هذا البيت فقد ألزمت الجميع بالإكرام. وأوضح من هذا قوله تعالى في شأن المسجد الحرام:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٦٤