تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..

[المائدة: 48]. ثم يقول سبحانه: ﴿ وأقم الصلاة.. ﴾ [العنكبوت: 45] ومعلوم أن اتل: التلاوة قول من فعل اللسان و ﴿ وأقم.. ﴾ [العنكبوت: 45] من فعل الجوارح، والإنسان له جوارح متعددة اشتهر منها خمس هي: العين للإبصار، والأذن للسمع، والأنف للشم، واللسان للتذوق، والأنامل للمس. فقالوا على سبيل الاحتياط: الجوارح الخمسة الظاهرة وقد ظهر فعلا مع تقدم العلوم اكتشفوا في الإنسان حواس أخرى ووسائل إدراك لم تعرف من قبل، كحاسة العضل التي تزن بها ثقل الأشياء، وإلا فبأي حاسة من حواسك الخمسة تعرف الثقل قبل أن ترفع الشيء من على الأرض؟ وكحاسة البين، والتي بها تستطيع أن تميز بين سمك الأشياء بين أناملك، فحين تذهب مثلا إلى تاجر الأقمشة، فتتناول القماش بين أناملك و تفركه برفق، فتستطيع أن تعرف أن هذا أسمك من هذا. ومن عجيب الأمر في مسألة الجوارح أن يأخذ اللسان شطر الجوارح كلها، ففعل الحواس الخمسة يسمى عملا، والعمل ينقسم: إما قول، وإما فعل. فكل تحريك لجارحة لتؤدي مهمة يسمى عملا، لكن عمل اللسان يسمى قولا، أما من بقية الجوارح فيسمى فعلا. فأخذ اللسان هذه المكانة لأن به الإنذار من الحق، وبه التبشير، وبه البلاغ من الرسول لذلك يقول الحق سبحانه:

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون

[الصف: 2]. ولم يقل: ما لا تعملون. لأن القول يقابله الفعل، وهما معا عمل، والعمل بنية القلب. لكن، لماذا اختار الصلاة من بين أعمال الجوارح؟ قالوا: لأنها قمة العمل كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم:

" الصلاة عماد الدين "

وبها نفرق بين المؤمن والكافر. ويبقى السؤال: لماذا أخذت الصلاة هذه المكانة من بين أركان الإسلام؟ ونحب أن نشير هنا إلى أن خصوم الإسلام وبعض أهله الذين يخافون من بعثه أن يقضي على سلطتهم وطغيانهم وجبروتهم يريدون حصر الإسلام في أركانه الخمسة، فإن قلت بهذه المقولة لا يتعرضون لك، وأنت حر في إطار أركان الإسلام هذه، لكن إياك أن تقول: إن الإسلام جاء لينظم حركة الحياة لأن حظهم في حصر الإسلام في أركانه فقط.

وما فهم هؤلاء أن الأركان ليست هي كل الإسلام، إنما هي أسسه وقواعده التي يقوم عليها بناؤه، لكنهم يريدون أن يعزلوا الإسلام عن حركة الحياة. فنقول لهم: نعم، هذه أركان الإسلام، أما الإسلام فيشمل كل شيء في حياتنا، بداية من قمة العقيدة في قولنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق لأن الإسلام دين يستوعب كل أقضية الحياة، كيف لا وهو يعلمنا أبسط الأشياء في حياتنا. ألا تراه يهتم بأحكام قضاء الحاجة ودخول الخلاء، وما يتعلق به من آداب وأحكام؟ ألا ترى أن صاحب الحسبة المكلف بمراقبة الأسواق، وتنفيذ أحكام منهج الله في الأرض إذا رأى جزارا ينفخ ذبيحته بفمه يقوم بإعدام هذه الذبيحة لأن الهواء المستخدم في نفخها هواء غير صحي، فهو زفير محمل بثاني أكسيد الكربون، وقد يحمل غازات أخرى ضارة لا بد أن تنتقل إلى لحم الذبيحة؟ كما أن من مهمته أن يمر بالحلاقين، ويتفقد مدى نظافتهم وسلامتهم من الأمراض، وإذا اشتم من أحدهم رائحة ثوم أو بصل مثلا أمره بإغلاق محله، وعدم العمل في هذا اليوم حتى لا يتأذى الناس برائحته. فأي شرع هذا الذي يحافظ على سلامة الناس ومشاعرهم إلى هذا الحد؟ إنه دين الله ومنهجه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في حركة الحياة إلا ووضع لها أحكاما وآدابا. أمثل هذا الشرع يعزل عن حركة الحياة ويقيد وينحصر في مسائل العبادات وحدها؟ إنك حين تنظر إلى متاعب العالم المتخلف الآن - دعك من العالم المتقدم - ستجد أن متاعبه اقتصادية، ولو تقصيت الأسباب لوجدتها تعود إلى التخلي عن منهج الله وتعطيل أحكامه، ووالله لو أنهم أخذوا في أزمتهم الاقتصادية بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٦٣