تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: فالجماد خادم الخدامين، ومع ذلك جعلتموه إلها، فانظروا إذن إلى هذه النقلة، وإلى خسة فكركم، وسوء طباعكم حيث جعلتم أدنى الأشياء وأحقرها أعلى الأشياء وأشرفها - أي: في زعمكم. فكيف وقد ميزك الله على كل الأجناس؟ لقد كان ينبغي منك أن تبحث عن شيء أعلى منك يناسب عبادتك له، وساعتها لن تجد إلا الله تتخذه إلها. بل واقرأ إن شئت عن الجماد قوله تعالى:

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها...

[فصلت: 9-10] أي: في الأرض

رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين

[فصلت: 10]. فكأن الجبال الصماء الراسية هي مخازن القوت للناس على مر الزمان، فمنها تتفتت الصخور، ويتكون الطمي الذي يحمله إلينا الماء في أيام الفيضانات، ومنها تتكون الطبقة المخصبة في السهول والوديان، فتكون مصدر خصب ونماء دائم ومتجدد لا ينقطع. وتذكرون أيام الفيضان وما كان يحمله نيل مصر إلينا من خير متجدد كل عام، وكيف أن الماء كان يأتينا أشبه ما يكون بالطحينة من كثرة ما به من الطمي. فياليت عباد الأصنام الذين نحتوا الصخور أصناما تأملوا هذه الآيات الدالة على قدرة الخالق سبحانه بدل أن يعبدوها من دون الله. وفي موضع آخر يضرب لنا الحق سبحانه مثلا في قمة العقيدة أيضا فيقول سبحانه:

ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون

[الزمر: 29]. ففرق بين عبد مملوك لسيد واحد يتلقى منه وحده الأمر والنهي، وبين عبد مملوك لعدة شركاء، وليتهم متفقون، لكن

شركآء متشاكسون..

[الزمر: 29] مختلفون لكل أوامر، ولكل منهم مطالب، فكيف إذن يرضيهم؟ وكيف يقوم بحقوقهم وهم يتجاذبونه؟ فالذي يعبد الله وحده لا شريك له كالعبد لسيد واحد، والذين يعبدون الأصنام كالعبد فيه شركاء متشاكسون. إذن: فالحق سبحانه يضرب الأمثال للناس في الحقائق ليبينها لهم بيانا واضحا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الله يعلم ما... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٥٩