تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون

[يوسف: 105] فينبغي إذن أن نتأمل فيما نرى وما توصل الإنسان إلى عصر البخار وإلى قانون الطفو عند أرشميدس، وما توصل إلى الكهرباء والجاذبية والبنسلين إلا بالتأمل الدقيق لظواهر الأشياء، لذلك فالملاحظة هي أساس كل علم تجريبي أولا، ثم التجريب ثانيا، ثم إعادة التجريب لتخرج النتيجة العلمية. والهواء سبب أساسي في حياة الإنسان، وبه يحدث التوازن في الكون، لكن إن أراد الحق سبحانه جعله زوبعة أو إعصارا مدمرا. وسبق أن قلنا: إنك تصبر على الطعام شهرا، وعلى الماء عشرة أيام، لكن لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير، فالهواء إذن أهم سبب من أسباب بقاء الحياة لذلك نسمعهم يقولون في شدة الكيد: والله لأكتم أنفاسه لأنها السبيل المباشر إلى الموت لذلك فالهواء عامل أساسي في وسائل الإهلاك المذكورة.

وبالهواء تحفظ الأشياء توازنها، فالجبال العالية والعمارات الشاهقة ما قامت بقوة المسلحات والخرسانات، إنما بتوازن الهواء، بدليل أنك لو فرغت جانبا منها من الهواء لانهارت في هذا الجانب فورا. وبهذه النظرية يحدث الدمار بالقنابل لأنها تعتمد على نظرية تفريغ الهواء وما يسمونه مفاعل القبض ومفاعل البسط، فما قامت الأشياء من حولك إلا لأن الهواء يحيط بها من كل جهاتها. وقلنا: إن القرآن الكريم حينما يحدثنا عن الهواء يحدثنا عنه بدقة الخالق الخبير، فكل ريح مفردة جاءت للتدمير والإهلاك، وكل ريح بصيغة الجمع للنماء والخير والإعمار، واقرأ إن شئت قوله تعالى:

وأرسلنا الرياح لواقح..

[الحجر: 22]. وقوله سبحانه:

وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية

[الحاقة: 6] لأنها ريح واحدة تهب من جهة واحدة فتدمر. ثم تختم الآية بهذه الحقيقة: ﴿ وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ [العنكبوت: 40] لأن الخالق - عز وجل - كرم الإنسان

ولقد كرمنا بني ءادم..

[الإسراء: 70] كرمه من بين جميع المخلوقات بالعقل والاختيار، فإذا نظرت في الكون واستقرأت أجناس الوجود لوجدت الإنسان سيد هذا الكون كله. فالأجناس في الكون مرتبة: الإنسان ودونه مرتبة الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد، فالجماد إذا أخذ ظاهرة من ظواهر فضل الحق عليه من النمو يصير نباتا، وإذا أخذ النبات ظاهرة من ظواهر فيض الحق على الخلق فأعطاه مثلا الإحساس يصير حيوانا، فإذا تجلى عليه الحق سبحانه بفضله وأعطاه نعمة العقل يصير إنسانا. لكن هل النبات حين يأخذ خاصية النمو ففضل عن الجماد يخرج عن الجمادية؟ لا إنما تظل فيه الجمادية بدليل أنه إذا امتنع عنه النمو يعود جمادا كالحجر، وكذلك الحيوان أخذ ظاهرة الحس وتميز بها عن النبات، لكن تظل فيه النباتية حيث ينمو ويكبر. والإنسان وهو سيد الكون الذي كرمه ربه بالعقل تظل فيه الجمادية بدليل أثر الجاذبية عليه، فإذا ألقى بنفسه من مكان عال لا يستطيع أن يمسك نفسه في الهواء، وكذلك تظل فيه النباتية والحيوانية، ففيه إذن كل خصائص الأجناس الأخرى دونه، ويزيد عليهم بالعقل. لذلك لا يكلفه الله إلا بعد أن ينضج عقله ويبلغ، وبشرط أن يسلم من العطب في عقله كالجنون مثلا، وأن يكون مختارا فالمكره لا تكليف عليه لأنه غير مختار. والإنسان الذي كرمه ربه بالعقل والاختيار، وفضله على كل أجناس الوجود لا يليق به أن يخضع أو يعبد إلا أعلى منه درجة، أما أن يتدنى فيعبد ما هو أقل منه رتبة، فهذا شيء عجيب لا يليق به، فالعابد لا بد أن يكون أدنى درجة من المعبود، وأنت بالحكم أعلى درجة مما تحتك من الحيوان والنبات والجماد، فكيف تجعله يتصرف فيك، مع أنه من تصرفاتك أنت حين توجده نحتا، وتقيمه في المكان الذي تريده وإن انكسر تصلحه؟!! إذن: كرمك ربك، وأهنت نفسك، ورضيت لها بالدونية، جعلك سيدا وجعلت نفسك عبدا لأحقر المخلوقات لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٣٥٥