ثم يقول سبحانه ﴿ فأنجاه الله من النار.. ﴾ [العنكبوت: 24] وهنا يعترض الفلاسفة: كيف والنار من طبيعتها الإحراق؟ كيف يتخلف هذا القانون؟ لكن كيف تكون معجزة إن لم تأت على هذه الصورة؟ إن الحق سبحانه خلق الخلق وجعل فيه نواميس تفعل فعلها وتؤدي مهمتها تلقائيا، فالأرض مثلا حينما تحرثها، وتلقى فيها الحب، ثم ترويها، الناموس أن تنبت، وحتى لا يظن ظان أن الكون إنما يسير على وفق هذه النواميس، لا وفق قدرة الله نجد أنه سبحانه يخرق هذه النواميس ليثبت لنا قيوميته على خلقه وطلاقة قدرته فيه. لذلك إن لم يكن لك رزق في حرثك هذا، فلا ينبت النبات، أو ينبت ثم تصيبه آفة أو إعصار فيهلكه قبل استوائه. إذن: فالمسألة قيومية لله تعالى وليست ميكانيكا. وقد خرق الله نواميس الكون لموسى - عليه السلام - حينما ضرب البحر، فصار كل فرق كالطود العظيم، وتحولت سيولة الماء إلى جبل صلب. وخرق نواميس الكون لإبراهيم حينما قال للنار:
قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]. وخرق النواميس ليثبت الإعجاز، وليثبت أن يد الله تعالى لا تزال مسيطرة على ملكه سبحانه، لا أنه خلق النواميس وتركها تعمل في الكون دون تدخل منه سبحانه كما يقول الفلاسفة، فالحق سبحانه خلق النواميس لتفعل، ولكن قيوميته تعالى وقدرته تعطل النواميس. ﴿ فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ [العنكبوت: 24] ونذكر في قصة السفينة أن الله تعالى قال عنها:
وجعلناهآ آية للعالمين
[العنكبوت: 15] آية وهنا قال ﴿ لآيات.. ﴾ [العنكبوت: 24] وهناك قال
للعالمين
[العنكبوت: 15] وهنا قال: ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ [العنكبوت: 24] فالاختلاف إذن بين السياقين في أمرين: قال في السفينة
آية..
[العنكبوت: 15] لأن العجيب في أمر السفينة ليس في صناعتها، فمن رآها يمكن أن يصنع مثلها، إنما الآية فيها أن الله تعالى أعلمه بها قبل الحاجة إليها، ثم منع عنها الزوابع والأعاصير أن تلعب بها وتغرق ركابها. أما في مسألة الإحراق فعجائب كثيرة وآيات شتى، فكان من الممكن ألا يمكنهم الله منه، وكان من الممكن بعد أن أمسكوا به وألقوه في النار أن ينزل الله مطرا يطفىء نارهم وينجو إبراهيم، أو يسخر له من القوم أهل رأفة ورحمة ينقذونه من الإلقاء في النار. لكن لم يحدث شيء من هذا، حيث أمكنهم الله منه حتى ألقوه في النار وهي مشتعلة، وهو موثق بالحبال، ومع ذلك لم تصبه النار بسوء، وظهرت الآيات بينات واضحات أمام أعين الجميع. الأمر الآخر: قال هناك
للعالمين
[العنكبوت: 15] لأن السفينة حينما رست ونجا ركابها ظلت السفينة باقية في مكانها يراها الناس جميعا ويتأملونها، فقد كان لها أثر باق قائم مشاهد. أما في مسألة إبراهيم - عليه السلام - فقال ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ [العنكبوت: 24] لأن نجاة إبراهيم - عليه السلام - كانت عبرة لمن شاهدها فقط، ونحن نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، ونحن مؤمنون بالله، فهي آيات للمؤمنين بالله لا للعالمين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا... ﴾.