ثم يذكر سبحانه نهاية هؤلاء القوم الذين كذبوا: ﴿ فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ﴾ [العنكبوت: 14] فالعلة في أخذهم، لا لأنهم أعداء، بل لأنهم ظالمون لأنفسهم بالكفر، وهكذا تنتهي القصة أو اللقطة في آية واحدة الغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، إن أبطأ نصره على الكفار. وكلمة ﴿ فأخذهم.. ﴾ [العنكبوت: 14] الأخذ فيه دليل على الشدة وقوة التناول، لكن بعنف أو بغير عنف؟ إن كان الأخذ لخصم فهو أخذ بعنف وشدة، وإن كان لغير خصم كان بلطف. والطوفان: أن يزيد الماء عن الحاجة الرتيبة للناس، فبعد أن كان وسيلة حياة، ومنه كل شيء حتى يصبح وسيلة موت وهلاك، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يلفت أنظارنا إلى المتقابلات في الخلق حتى لا نظن أن الخلق يسير برتابة. فسيدنا موسى - عليه السلام - ضرب البحر بالعصا، فتجمد فيه الماء حتى صار كالجبل، وضرب بها الحجر فانبجس منه الماء. إنها طلاقة القدرة التي لا تعتمد على الأسباب، فالمسبب هو الله سبحانه يفعل ما يشاء، فليست الأشياء بأسبابها، إنما بمراد المسبب فيها لذلك يقول أحمد شوقي في قصيدة النيل:
من أي عهد في القرى تتدفق
وبأي كف في المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم على
الجنان جداولا تترقرق
إلى أن يقول:
الماء تسكبه فيصبح عسجدا
والأرض تغرقها فيحيا المغرق
والمأخوذ هنا هم المكذبون لنوح - عليه السلام - الذين ظلموا أنفسهم لما كذبوا رسولهم، ولم يستمعوا للهدى، ثم ينجي الله نوحا - عليه السلام - بالسفينة التي قال الله عنها في سورة هود:
وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها..
[هود: 41]. وقد أمره الله بصناعة السفينة:
واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون
[هود: 37] فكان نوح - عليه السلام - على علم بعاقبة المكذبين الظالمين من قومه، واحتفظ بها في نفسه، وهو يصنع السفينة كما أمره ربه. لكن، أكانت السفينة شيئا معروفا لهؤلاء القوم، ولها مثال سابق لديهم؟ لا، لم يكونوا يعرفون السفن، بدليل أنهم تعجبوا من فعل نوح، وسخروا منه وهو يصنعها
وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه..
[هود: 38] فكان يرد عليهم في نفسه:
إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون
[هود: 38] فهو يعلم عاقبتهم وما يبيته الله لهم. والحق سبحانه يعطينا هذه اللقطة من قصة نوح - عليه السلام - لكي نجول في كل اللقطات، ونستحضر مواطن العبرة فيها، وفي قصة نوح مسائل كثيرة نستفيدها، فقد كان القوم يعبدون الأصنام: ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، ومنها نعلم أن ودادة الأنبياء ودادة قيم ومنهج، وودادة أعمال واقتداء، وأن أنسابهم أنساب تقوى وورع. فنبوة نوح لم تمنع ولده الضال من الغرق، حتى بعد أن دعا الله:
رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق..
[هود: 45] فيعطيه الله الحكم في هذه المسألة، ويصحح له:
إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح..
[هود: 46]. وليس معنى ذلك أن أمه أتت به من الحرام والعياذ بالله لأن الله تعالى ما كان ليدلس على نبي من أنبيائه، إنما هي كانت من الخائنين، وخيانتها أنها كانت تفشي أسراره لخصومه، وتخبرهم خبره لذلك يقول تعالى عنها في سورة التحريم:
ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط..
[التحريم: 10]. ويبين الحق سبحانه العلة في قوله:
إنه ليس من أهلك..
[هود: 46] بقوله:
إنه عمل غير صالح..
[هود: 46] حتى لا تذهب بنا الظنون في زوجة نبي الله، فالعلة أنه عمل غير صالح، وبنوة الأنبياء بنوة عمل، لا بنوة نسب. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة... ﴾.