تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ فرقنا بكم البحر..

[البقرة: 50]. والفرق أن تفصل بين شيء متصل مع اختلاف هذا الشيء، وفي علم الحساب يقولون: الخلط والمزج، ففرق بين أن تفصل بين أشياء مخلوطة مثل برتقال وتفاح وعنب، وبين أن تفصلها وهي مزيج من العصير، تداخل حتى صار شيئا واحدا. إذن: ففرق البحر لموسى - عليه السلام - ليس فرقا بل فرقانا، لأن أعظم ألوان الفروق أن تفرق السائل إلى فرقين، كل فرق كالطود العظيم، ومن يقدر على هذه المسألة إلا الله؟ ثم يقول تعالى: ﴿ وضيآء وذكرا للمتقين ﴾ [الأنبياء: 48] أي: نورا يهدي الناس إلى مسالك حياتهم دون عطب، وإلا فكيف يسيرون في دروب الحياة؟ فلو سار الإنسان على غير هدى فإما أن يصطدم بأقوى منه فيتحطم هو، وإما أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه، فالضياء - إذن - هام وضروري في مسيرة الإنسان، وبه يهتدي لحركة الحياة الآمنة ويسعى على بينة، فلا يتعب، ولا يتعب الآخرين.

﴿ وذكرا.. ﴾ [الأنبياء: 48] أي: يذكر وينبه الغافلين، فلو تراكمت الغفلات تكون الران الذي يحجب الرؤية ويعمي البصيرة، لذلك لما شبه النبي صلى الله عليه وسلم غفلة الناس قال:

" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ".

وفي رواية " عوذا عوذا " أي يستعيذ بالله أن يحدث هذا لمؤمن، فهل رأيت صانع الحصير حينما يضم عودا إلى عود حتى يكون الحصير؟ كذلك تعرض علينا الفتن، فإن جاء التذكير في البداية أزال ما عندك من الغفلة فلا تتراكم عليك الغفلات. " فأيما قلب أشربها - يعني قبلها - العود تلو العود - نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين - صدق رسول الله - على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة، ما دامت السماوات والأرض. أو على أسود كالكوز مجخيا - يعني منكوسا - لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا ". قالوا: فذلك هو الران الذي يقول الله فيه:

كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون

[المطففين: 14] والذكر هو الذي يجلي هذا الران. ﴿ وذكرا للمتقين ﴾ [الأنبياء: 48] ومن صفاتهم أنهم: ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٧٠