فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105] حيث أثبت الميزان في الأولى، ونفاه في الثانية. وقلنا: إن هؤلاء معذورون لأنهم لا يملكون الملكة اللغوية التي تمكنهم من فهم كلام الله. ولو تأملنا اللام في
نقيم لهم..
[الكهف: 105] لانحل هذا الإشكال، فاللام للملك والانتفاع، كما يقولون في لغة البنوك: له وعليه. والقرآن يقول:
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..
[البقرة: 286]. فالمعنى:
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
[الكهف: 105] أي: وزنا في صالحهم، إنما نقيم عليهم وندينهم. كذلك نجد أن كلمة الوزن تستعمل في اللغة إما لوزن المادي، أو لوزن المعنى، كما نقول: فلان لا وزن له في الرجال. وعلى هذا يكون المعنى: أنهم لا وزن لذواتهم ومادتهم، إنما الوزن لأعمالهم، فلا نقول: كان من الأعيان، كان أصله كذا وكذا، وهذه المسألة واضحة في قصة ابن نوح عليه السلام:
قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح..
[هود: 46]. فالبنوة هنا بنوة عمل وإيمان، لا بنوة ذات. وقد ظن الكفار والعصاة أن لهم وزنا عند الله، ومنزلة ستكون لهم في الآخرة، كما كانت لهم في الدنيا، كما جاء في قصة صاحب الجنتين الذي قال لأخيه متباهيا مفتخرا.
أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا
[الكهف: 34-36]. لكن هيهات أن يكون لهم وزن في الآخرة، فالوزن في القيامة للأعمال، لا للأعيان. إذن: المعنى لا نقيم لذواتهم، إنما نزن أعمالهم لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقرابته:
" لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأحسابكم ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا ".
فالذوات والأحساب والأنساب لا قيمة لها في هذا الموقف. وقوله تعالى: ﴿ فلا تظلم نفس شيئا.. ﴾ [الأنبياء: 47] مع أن القاعدة:
فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم..
[البقرة: 194] وهؤلاء قد ظلموا الحق سبحانه ظلما عظيما حين أشركوا به، وظلموا رسول الله لما قالوا عنه: ساحر، وكاذب ومجنون، ومع ذلك فلن نرد هذا الاعتداء بمثله بظلمهم. وقوله تعالى: ﴿ وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها.. ﴾ [الأنبياء: 47] والخردل: مثال للصغر، للدلالة على استقصاء كل شيء، ولا يزال الخردل هو المقياس العالمي للكيلو، فقد وجدوا حب الخردل متساويا في الوزن، فأخذوا منه وحدة الكيلو الآن، وقد أتى بها القرآن منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان. ومعنى: ﴿ أتينا بها.. ﴾ [الأنبياء: 47] أي: لهم أو عليهم، فإن كانت لهم علموا أن الله لا يظلمهم، ويبحث لهم عن أقل القليل من الخير، وإن كانت عليهم علموا أن الله يستقصي كل شيء في الحساب، وحبة الخردل تدل على صغرها على الحجم، وكلمة مثقال تدل على الوزن، فجمع فيها الحجم والوزن. ثم يعقب سبحانه على هذه المسألة: ﴿ وكفى بنا حاسبين ﴾ [الأنبياء: 47] فلا أحد يجيد هذه المسألة ويدققها كما نفعل نحن، فليست عندنا غفلة بل دقة وضبط لمعايير الحساب. ولا تظن أن مسألة الحساب والميزان مسألة سهلة يمكن أن تصل فيها إلى الدقة الكاملة مهما أخذت من وسائل الحيطة، فأنت بشر لا تستطيع أن تزن الوزن المضبوط لأن المعيار الحديد الذي تزن به عرضة في استعماله للزيادة أو النقصان. فقد يتراكم عليه الغبار ويقع عليه مثلا نقطة زيت، وبمرور الوقت يزيد المعيار ولو شيئا ضيئلا، وهذا في صالح الموزون له، وقد يحدث العكس فينقص الميزان نتيجة الملامسة للأشياء، ولك أن تنظر مثلا إلى أكرة الباب تراها لامعة على خلاف ما حولها. إذن: أي ملامسة أو احتكاك للأشياء ينقصها. حتى في الموازين الحديثة التي تضمن لك أقصى درجات الدقة فبشرية الإنسان لا يمكن أن تعطى الدقة المتناهية، وهذا معنى