إلا إبليس استكبر..
[ص: 74]. وقد أوضح الحق سبحانه سبب رفض إبليس للسجود لآدم بقوله:
أستكبرت أم كنت من العالين
[ص: 75]. أي: لا سبب لامتناعك إلا الاستكبار على السجود، أو تكون من العالين. أي: الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، فكأن الأمر كان للملائكة خاصة هم الموكلون بخدمة آدم، أما العالون فهم الملائكة المهيمون، ولا علاقة لهم بآدم، وربما لا يدرون به. ومن الأساليب التي أثارت جدلا حول بلاغة القرآن لدى المستشرقين قوله تعالى:
ما منعك أن تسجد..
[ص: 75] وقوله في موضع آخر:
ما منعك ألا تسجد..
[الأعراف: 12] فأي التعبيرين بليغ؟ وإن كان أحدهما بليغا فالآخر غير بليغ. وهذا كله ناتج عن قصور في فهم لغة القرآن، وعدم وجود الملكة العربية عند هؤلاء، فهناك فرق بين أنك تريد أن تسجد ويأتي من يقول لك: لا تسجد، وبين أن يقنعك شخص بألا تسجد. فقوله:
ما منعك أن تسجد..
[ص: 75] كنت تريد السجود وواحد منعك، وقوله:
ما منعك ألا تسجد..
[الأعراف: 12] يعني: أمرك ألا تسجد، وأقنعك وأنت اقتنعت. ومن المسائل التي أثيرت حول هذه القصة: أكان إبليس من الملائكة فشمله الأمر بالسجود؟ وكيف يكون من الملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون؟ وإذا لم يكن ملكا فماذا أدخله في الأمر؟ ولتوضيح هذه المسألة نقول: خلق الله الثقلين: الجن والإنس، وجعلهم مختارين في كثير من الأمور، ومقهورين في بعض الأمور، ليثبت طلاقة قدرته تعالى في خلقه، فإن كنت مختارا في أمور التكليف وفي استطاعتك أن تطيع أو أن تعصي، فليس من اختيارك أن تكون صحيحا أو مريضا، طويلا أو قصيرا، فقيرا أو غنيا، ليس في اختيارك أن تحيا أو تموت. والحق - تبارك وتعالى - لا يكلفك بافعل كذا ولا تفعل كذا، إلا إذا خلقك صالحا للفعل ولعدم الفعل، هذا في أمور التكليف وما عداه أمور قهرية لا اختيار لك فيها هي القدريات. لذلك نقول للذين ألفوا التمرد وتعودوا الخروج على أحكام الله في التكليفات: لماذا لا تتمردوا أيضا على القدريات ما دمتم قد ألفتم المخالفة؟ إذن: أنت مقهور وعبد رغما عنك. لذلك، إذا كان المختار طائعا يلزم نفسه بمنهج ربه، بل ويتنازل عن اختياره لاختيار الله، فمنزلته عند الله كبيرة، وهي أفضل من الملك، لأن الملك يطيع وهو مرغم. ومن هنا يأتي الفرق بين عباد وعبيد، فالكل في القهر عبيد، لكن العباد هم الذين تركوا اختيارهم لاختيار ربهم. ومن هنا نقول: إن إبليس من الجن، وليس من الملائكة لأنه أمر فامتنع فعوقب، وإن كان الأمر في الأصل للملائكة. وقد حسم القرآن هذه القضية حين قال:
إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه..
[الكهف: 50] وهذا نص صريح لا جدال حوله. فإن قلت: فلماذا شمله الأمر بالسجود، وهو ليس ملكا؟ نقول: لأن إبليس قبل هذا الأمر كان طائعا، وقد شهد عملية خلق آدم، وكان يدعي " طاووس الملائكة " لأنه ألزم نفسه في الأمور الاختيارية ففاق بذلك الملائكة، وصار يزهو عليهم ويجلس في مجلسهم، فلما جاء الأمر للملائكة بالسجود لآدم شمله الأمر ولزمه من ناحيتين: الأولى: إن كان أعلى منهم منزلة وهو طاووسهم الذي ألزم نفسه الطاعة رغم اختياره فهو أولى بطاعة الأمر منهم، ولماذا يعصي هذا الأمر بالذات؟ الأخرى: إن كان أقل منهم، فالأمر للأعلى لا بد أن يشمل الأدنى، كما لو أمرت الوزراء مثلا بالقيام لرئيس الجمهورية، وبينهم وكلاء ومديرون، فطبيعي أن يشملهم الامر. ثم يقول الحق: ﴿ فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك... ﴾.