وإذا سألك عبادي عني فإني قريب..
[البقرة: 186] ولم يقل هنا قل أو فقل لأنها تدل على الواسطة بين الله تعالى وبين عباده، وكأن الحق - سبحانه - يوضح أنه قريب من عباده حتى عن الجواب بقل. وقد تتعجب: كيف تأتي في القرآن كل هذه الأسئلة لرسول الله مع أن القرآن كتاب منهج جاء بتكاليف قد تشق على الناس لأنه يلزمهم بأمور تخالف ما يشتهون، فكان المفروض ألا يسألوا عن الأمور التي لم ينزل فيها حكم. نقول: دلت أسئلتهم هذه على عشقهم لأحكام الله وتكاليفه، فالأشياء التي كانت عادات لهم في الجاهلية يريدون الآن أن يؤدوها على طريقة الإسلام على أنها عبادة، لا مجرد عادة جاهلية. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن السؤال فقال:
" دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ".
ومع ذلك سألوا وأرادوا أن تبنى حياتهم على منهج القرآن من الله، لا على أنه إلف عادة كانت لهم في الجاهلية، إذن: هذه الأسئلة ترسيم للأمر من جانب الحق سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ﴿ فقل ينسفها ربي نسفا ﴾ [طه: 105] تكلمنا عن هذا المعنى في قوله تعالى:
لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا
[طه: 97] فالمراد: نفتتها ونذروها في الهواء، وأكد النسف، فقال
نسفا
[طه: 97] ليؤكد أن الجبل سيتفتت إلى ذرات صغيرة يذروهاالهواء. فقد يتصور البعض أن الجبال تهد، وتتحول إلى كتل صخرية كما نفجر نحن الصخور الآن إلى قطع كبيرة لذلك أكد على النسف، وأن الجبال ستكون ذرات تتطاير لذلك قال في آية أخرى:
وتكون الجبال كالعهن المنفوش
[القارعة: 5] أي: كالصوف المندوف. لكن، لماذا ذكر الجبال بالذات؟ قالوا: لأن الإنسان يرى أنه ابن أغيار في ذاته، وابن أغيار فيما حوله مما يخدمه من حيوان أو نبات، فيرى الحيوان يموت أو يذبح، ويرى النبات يذبل ثم يجف ويتفتت، والإنسان نفسه يموت وينتهي. إذن: كل ما يراه حوله بين فيه التغيير والانتهاء، إلا الجبال يراها راسية ثابتة، لا يلحقها تغيير ظاهر على مر العصور. لذلك يضرب بها المثل في الثبات، كما في قوله الحق سبحانه وتعالى:
وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال
[إبراهيم: 46]. فالجبال مظهر للثبات، فقد يتساءل الإنسان عن هذا الخلق الثابت المستقر، ماذا سيفعل الله به؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فيذرها قاعا صفصفا... ﴾.