وللإسلام منهج قويم في القضاء على مسألة البطالة، تأخذ به بعض النظم الحديثة الآن، وهو أن الشرع يأمر للقضاء على البطالة أن تحفر بئرا وتطمها: أي احفرها وأردمها ثم اعط الأجير فيها أجره. كيف هذا؟ تحفر البئر ولا تستفيد منها وتردمها فما الفائدة؟ ولماذا لم نعط الأجير أجره دون حفر ودون ردم؟ قالوا: حتى لا يتعود على الخمول والكسل، وحتى لا يأكل إلا من عرقه وكده، وإلا فسد المجتمع. وللطغيان في القوت صورة أخرى، هي أن تستخدم القوت الذي جعله الله طاقة لك في حركة الحياة النافعة، فإذا بك تصرف هذه الطاقة التي أنعم الله بها عليك في معصيته. وهكذا، كان الطغيان هو علة
وما ظلمناهم..
[النحل: 118] أي: بالعقوبة
ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
[النحل: 118] أي: بالطغيان. ثم يقول تعالى: ﴿ فيحل عليكم غضبي.. ﴾ [طه: 81] الفعل: حل، يحل يأتي بمعنى: صار حلالا، كما تقول للسارق: حلال فيه السجن. وتأتي حل يحل بمعنى: نزل في المكان، تقول: حل بالمكان أي: نزل به. فيكون المعنى: ﴿ فيحل عليكم غضبي.. ﴾ [طه: 81] أي: صار حلالا، ووجب لكم، أو بمعنى: ينزل بكم. وقد يكون المعنى أعم من هذا كله. والغضب انفعال نفسي يحدث تغييرا في كيماوية الجسم، فترى الغاضب قد انتفخت أوداجه واحمر وجهه، وتغيرت ملامحه، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال. فهل غضب الله عز وجل من هذا النوع؟ بالطبع لا لأنه تعالى ليس عنده أغيار، وإذا كان الغضب يتناسب وقدرة الغاضب على العذاب، فما بالك إن كان الغضب من الله؟ ثم يقول تعالى: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ [طه: 81] مادة: هوى لها استعمالان، الأول: هوى يهوي: يعني سقط من أعلى سقوطا لا إرادة له في منعه، كأن يسقط فجأة من على السطح مثلا، ومن ذلك قوله:
هوى الدلو أسلمها الرشاء
إذا انقطع الحبل الذي يخرج الدلو. والآخر: هوى يهوى: أي أحب. فيكون المعنى ﴿ فقد هوى ﴾ [طه: 81] سقط إلى القاع سقوطا لا يبقى له قيمة في الحياة، أو هوى في الدنيا، ويهوي في الآخرة، كما جاء في قوله تعالى:
فأمه هاوية
[القارعة: 9] فأمه ومصدر الحنان له هاوية، فكيف به إذا هوى في الهاوية؟ هذه كلها عظات ومواعظ للمؤمن، يبينها الحق - سبحانه وتعالى - له - كي يبني حركة حياته على ضوئها وهداها. ولما كان الإنسان عرضة للأغيار لا يثبت على حال يتقلب بين عافية ومرض، بين غنى وفقر، فكل ما فيه موهوب له لا ذاتي فيه، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء من النعمة لأنها لن تبقى ولن تدوم، وهب أنك بلغت قمة النعيم، فماذا تنتظر إلا أن تزول، كما قال الشاعر:
إذا تم شيء بدا نقصه
ترقب زوالا إذا قيل تم
فإذا تم لك الشيء، وأنت ابن أغيار، ولا يدوم لك حال فلا بد لك أن تنحدر إلى الناحية الأخرى. فكأن نقص الإنسان في آماله في الحياة هي تميمة حراسة النعم، وما فيه من نقص أو عيب يدفع عنه حسد الحاسد، كما قال الشاعر في المدح:
شخص الأنام إلى كمالك
فاستعذ من شر أعينهم بعيب واحد
أي: أن الأعين متطلعة إليك، فاصرفها عنك، ولو بعيب واحد يذكره الناس وينشغلون به. وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة، فإن رزق أحدهم بولد جميل وسيم يلفت نظر الناس إليه. وتراهم يتعمدون إهمال شكله ونظافته، أو يضعون له فاسوخة دفعا للحسد وللعين. لذلك، فالمرأة التي دخلت على الخليفة، فقالت له: أتم الله عليك نعمته، وأقر عينك، ففهم الحضور أنها تدعو له، فلما خرجت قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ قالوا: تدعو لك، قال: بل تدعو علي، فقد أرادت بقولها: أتم الله عليك نعمته تريد أزالها لأن النعمة إذا تمت لم يبق لها إلا الزوال، وقولها: أقر الله عينك تريد: أسكنها عن الحركة. إذن: لا تغضب إن قالوا عنك: ناقص في كذا، فهذا النقص هو تميمة الكمال، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت. وما دام الإنسان ابن أغيار، فلا بد أن يغفل عن منهج الله، فتكون له سقطات وهفوات تحتاج إلى غفران لذلك يقول تعالى: ﴿ وإني لغفار لمن تاب... ﴾.