تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد، يلعب به غلمان المدينة، إلا أنني ذكرت دعوة أخي سليمان ﴿ وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.. ﴾ ".

إذن: الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكل كما يحبون، إنما قيدهم بما يشكلون به، كأنه يقول له: إذا تركت طبيعتك وتشكلت بصورة أخرى فارض بأن تحكمك هذه الصورة، وأن يتحكم فيك الأضعف منك، وإلا لفزعوا الناس وأرهبوهم، ولم نسلم من شرهم. وكذلك الحال مع الساحر نفسه، فلديه بالسحر والطلاسم أن يسخر الجن يفعلون له ما يريد، وهذه خصوصية تفوق بها قدرته قدرة الآخرين، ولديه بالسحر فرصة لا تتوفر لغيره من عامة الناس، فليس بينه وبينهم تكافؤ في الفرص. والله عز وجل يريد لخلقه أن تتكافأ فرصهم في حركة الحياة فيقول الساحر: إياك أن تفهم أن ما يسرته لك من تسخير الأقوى منك ليقدر على ما لا تقدر عليه يفيدك بشيء. أو أنك أخذت بالسحر فرصة على غيرك، بل العكس هو الصحيح فلن تجني من سحرك إلا الضرر والشقاء، فالسحر فتنة للإنسان، كما أنه فتنة للجن. لذلك يقول تعالى:

وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر..

[البقرة: 102]. والفتنة هنا معناها أن نختبر استعماله لمدى ما أعده الله له، أيستعمله في الخير أم في الشر؟ فإن قلت: أتعلم السحر لأستعمله في الخير. نقول: هذا كلامك ساعة التحمل، ولا تضمن نفسك ساعة الأداء. كما قلنا سابقا في تحمل الأمانة حين تقبلها ساعة التحمل، وأنت واثق من قدرتك على أدائها في وقتها، ومطمئن إلى سلامة نيتك في تحملها، أما وقت الأداء فربما يطرأ عليك ما يغير نيتك. وكما جاء في قول الحق تبارك وتعالى:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. فاخترن التسخير على الاختيار وحمل الأمانة لأنهن لا يضمن القيام بها. وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله:

وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر..

[البقرة: 102]. كأن الساحر مآله إلى الكفر لأنه ابن أهواء وأغيار، لا يستطيع أن يتحكم في نفسه فيسخر قوة السحر في الخير، كما أن الله تعالى إذا أراد أن يسخر القوى للخير: أيسخر الطائع؟ أم يسخر العاصي؟ سيسخر الطائع، والجن الطائع لا يرضى أبدا بهذه المسألة. إذن: لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي، كما قال تعالى:

وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم..

[الأنعام: 121]. لذلك تلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على سمتهم الغضب، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشؤمها، ينفر منهم من رآهم، يعيشون في أضيق صور العيش، فترى الساحر يأخذ من هذا، ويأخذ من هذا، ويبتز الناس ويخدعهم، ومع ذلك تراه شحاذا يعيش في ضيق، ويموت كافرا مبعدا من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يسلمون من شؤمه، وصدق الله العظيم حين قال:

وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا

[الجن: 6]. كما أن في حياة السحرة لفتة، يجب أن نلتفت إليها، وهي أن السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم: من أين يرتزقون؟ من عامة الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئا، ولو أنه أفلح بالسحر لأغنى نفسه عن أن تمتد يده إلى هذا، فيأخذ منه عدة جنيهات، وإلى هذا يطلب منه أشياء غريبة يوهمه أن مسألته لن تحل إلا بها. ولماذا لم يستخدم سحره في سرقة خزينة مثلا ويريح نفسه من هذا العناء، وإن قال: كيف وهي أموال الناس والسطو عليها سرقة، فليذهب إلى الركاز وكنوز الأرض فليست مملوكة لأحد. نعود إلى سحرة فرعون أيا كان سحرهم أمن نوع الألاعيب وخفة الحركة وخداع الناظرين؟ أم من نوع السحر الذي علمته الشياطين من زمن سليمان - عليه السلام - فهو سحر لن يقف أمام معجزة باهرة جاءت على يد موسى لإثبات صدقه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ فأوجس في نفسه خيفة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٦٧