تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما بالك بآلة تعرض على صانعها هكذا، أيمكن أن يحدث بها عطل أو عطب؟ أما الزكاة فهي كل عام، أو كل محصول، والصوم شهر في العام، والحج مرة واحدة في العمر. لذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حزبه أمر قام إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه وخالقه عز وجل، ونحن نصنع هذا في الصنعة المادية حين نعرض الآلة على صانعها ومهندسها الذي يعرف قانون صيانتها. وفي الحديث الشريف:

" وجعلت قرة عيني في الصلاة ".

وسبق أن ذكرنا أن للصلاة أهميتها لأنها تذكرك بربك كل يوم خمس مرات، وتذكرك أيضا بنفسك، وبقدر الله في الآخرين حين ترى الرئيس ومرؤوسه جنبا إلى جنب في صفوف الصلاة، فإن جئت قبل رئيسك جلست في الصف الأول، وجلس هو خلفك، ثم تراه وهو منكسر ذليل لله تعالى، وهو يعرف أنك تراه على هذه الهيئة فيكون ذلك أدعى لتواضعه معك وعدم تعاليه عليك بعد ذلك. وكم رأينا من أصحاب مناصب وقيادة يبكون عند الحرم، ويتعلقون بأستار الكعبة وعند الملتزم، وهو العظيم الذي يعمل له الناس ألف حساب. ففي الصلاة - إذن - استطراق للعبودية لله تعالى. لذلك من أخطر ما مني به المسلمون أن تجعل في المسجد أماكن خاصة لنوعية معينة يخلى لها المكان، ويصاحبها الحرس حتى في بيت الله، ثم يأتي في آخر الوقت ويجلس في الصف الأول، وآخر يفرش سجادته ليحجز بها مكانا لحين حضوره، فيجد المكان خاليا. وينبغي على عامة المسلمين أن يرفضوا هذا السلوك، وعليك أن تنحي سجادته جانبا، وتجلس أنت لأن أولوية الجلوس بأولوية الحضور، فقد صفها الله في المسجد إقبالا عليه. وهذه العادة السيئة توقع صاحبها في كثير من المحظورات، حيث يتخطى رقاب الناس، ويميز نفسه عنهم دون حق، ويحدث انتقاص عبودي في بيت الله. ولأهمية الصلاة ومكانتها بين العبادات تميزت في فرضها بما يناسب أهميتها، فكل العبادات فرضت بالوحي إلا الصلاة، فقد استدعى الحق رسوله الصدق ليبلغه بها مباشرة لأهميتها. وقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - بالرئيس إذا أراد أن يبلغ مرؤوسه أمرا يكتب إليه، فإن كان الأمر مهما اتصل به تليفونيا، فإن كان أهم استدعاه إليه ليبلغه بنفسه. ولما قربه الله إليه بفرض الصلاة جعل الصلاة تقربا لعباده إلى الله. وقوله: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ [طه: 14] أقام الشيء: جعله قائما على أسس محكمة، فإقامة الصلاة أن تؤديها محكمة كاملة الأركان غير ناقصة. ﴿ لذكري ﴾ [طه: 14] أي: لتذكري لأن دوام ورتابة النعمة قد تنسيك المنعم، فحين تسمع نداء الله أكبر، وترى الناس تهرع إلى بيوت الله لا يشغلهم عنها شاغل تتذكر إن كنت ناسيا، وينتبه قلبك إن كنت غافلا. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٣٣