تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا..

[البقرة: 273]. وكذلك الخوف وإن كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه. وهكذا جسد لنا التعبير القرآني هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت حاسة التذوق لأنها أقوى الحواس.

وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يوحي بشمولهما الجسم كله، كما يلفه اللباس فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط. ومن ذلك ما اشتهر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب، فنراهم يتحدثون عن القلوب، كما قال الشاعر:

خطرات ذكرك تستسيغ مودتي

فأحس منها في الفؤاد دبيبا

فإذا ما زاد الحب وتسامى، وارتقت هذه المشاعر، تحول الحب من القلب، وسكن جميع الجوارح، وخالط كل الأعضاء، على حد قول الشاعر:

لا عضو لي إلا وفيه صبابة

فكأن أعضائي خلقن قلوبا

وقوله: ﴿ بما كانوا يصنعون ﴾ [النحل: 112]. أي: أن الحق سبحانه ما ظلمهم وما تجنى عليهم، بل ما أصابهم هو نتيجة عملهم وصدودهم عن سبيل الله، وكفرهم بأنعمه، فحبسها الله عنهم، فهم الذين قابلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدود والجحود والنكران، وتعرضوا له ولأصحابه بالإيذاء وبيتوا لقتله، حتى دعا عليهم قائلا:

" اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ".

فاستجاب الحق سبحانه لنبيه، وألبسهم لباس الجوع والخوف، حتى إنهم كانوا يأكلون الجيف، ويخلطون الشعر والوبر بالدم فيأكلوه. وظلوا على هذا الحال سبع سنين حتى ضجوا، وبلغ بهم الجهد والضنك منتهاه، فأرسلوا وفدا منهم لرسول الله، فقالوا: هذا عملك برجال مكة، فما بال صبيانها ونسائها؟ فكان صلى الله عليه وسلم يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطيب. أما لباس الخوف فتمثل في السرايا التي كان يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لترهبهم وتزعجهم ليعلموا أن المسلمين أصبحت لهم قوة وشوكة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد جآءهم رسول... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٦٧