تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم..

[فصلت: 53]. والآن تطالعنا الاكتشافات بإمكانية التقاط صور وتسجيل أصوات السابقين، فمثلا يمكنهم بعد انصرافنا من هذا المكان أن يسجلوا جلستنا هذه بالصوت والصورة. ومعنى ذلك أن المكان يعي ويحتفظ لنا بالصور والأصوات منذ سنوات طويلة، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن القرية يمكن أن تسأل، ويمكن أن تجيب، فلديها ذاكرة واعية تسجل وتحتفظ بما سجلته، بل وأكثر من ذلك يتطلعون لإعادة الصور والأصوات من بدء الخليقة على اعتبار أنها موجودة في الجو، مودعة فيه على شكل موجات لم تفقد ولم تضع. وما أشبه هذه الموجات باندياح الماء إذا ألقيت فيه بحجر، فينتج عنه عدة دوائر تبتعد عن مركزها إلى أن تتلاشى بالتدريج. إذن: يمكن أن يكون سؤال القرية على الحقيقة، ولا شك أن سؤال القرية سيكون أبلغ من سؤال أهلها، لأن أهلها قد يكذبون، أما هي فلا تعرف الكذب. وبهذا الفهم للآية الكريمة يكون فيها إعجاز من إعجازات الأداء القرآني. وقوله تعالى: ﴿ كانت آمنة مطمئنة.. ﴾ [النحل: 112]. آمنة: أي في مأمن من الإغارة عليها من خارجها، والأمن من أعظم نعم الله تعالى على البلاد والعباد. وقوله: ﴿ مطمئنة.. ﴾ [النحل: 112]. أي: لديها مقومات الحياة، فلا تحتاج إلى غيرها، فالحياة فيها مستقرة مريحة، والإنسان لا يطمئن إلا في المكان الخالي من المنغصات، والذي يجد فيه كل مقومات الحياة، فالأمن والطمأنينة هما سر سعادة الحياة واستقرارها. وحينما امتن الله تعالى على قريش قال:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 1-4]. فطالما شبعت البطن، وأمنت النفس استقرت بالإنسان الحياة. والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة مثلى للحياة الدنيا، فيقول:

" من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ".

ويصف الحق سبحانه هذه القرية بأنها: ﴿ يأتيها رزقها رغدا من كل مكان.. ﴾ [النحل: 112]. معلوم أن الناس هم الذين يخرجون لطلب الرزق، لكن في هذه القرية يأتي إليها الرزق، وهذا يرجح القول بأنها مكة لأن الله تعالى قال عنها:

أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون

[القصص: 57]. ومن تيسر له العيش في مكة يرى فيها الثمرات والمنتجات من كل أنحاء العالم، وبذلك تمت لهم النعمة واكتملت لديهم وسائل الحياة الكريمة الآمنة الهانئة، فماذا كان منهم؟ هل استقبلوها بشكر الله؟ هل استخدموا نعمة عليهم في طاعته ومرضاته؟ لا.. بل: ﴿ فكفرت بأنعم الله.. ﴾ [النحل: 112]. أي: جحدت بهذه النعم، واستعملتها في مصادمة منهج الله وشريعته، فكانت النتيجة: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ﴾ [النحل: 112]. وكأن في الآية تحذيرا من الحق سبحانه لكل مجتمع كفر بنعمة الله، واستعمل النعمة في مصادمة منهجه سبحانه، فسوف تكون عاقبته كعاقبة هؤلاء. ﴿ فأذاقها الله.. ﴾ [النحل: 112]. من الذوق، نقول: ذاق وتذوق الطعام إذا وضعه على لسانه وتذوقه. والذوق لا يتجاوز حلمات اللسان. إذن: الذوق خاص بطعم الأشياء، لكن الله سبحانه لم يقل: أذاقها طعم الجوع، بل قال: ﴿ لباس الجوع والخوف.. ﴾ [النحل: 112]. فجعل الجوع والخوف وكأنهما لباس يلبسه الإنسان، والمتأمل في الآية يطالع دقة التعبير القرآني، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع والخائف، كيف ذلك؟ الجوع يظهر أولا كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعاما عوض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهت الشحوم تغذى الجسم على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوبا، وعلى الجلد هزالا وذبولا، ثم ينكمش ويجف، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع. وتستطيع أن تتعرف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشحوب لونه وتغير بشرته، كما قال تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٦٦