تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسألونك عن الأهلة..

[البقرة: 189]. والأهلة: جمع هلال، وهو ما يظهر من القمر في بداية الشهر حيث يبدو مثل قلامة الظفر، ثم يزداد تدريجيا إلى أن يصل إلى مرحلة البدر عند تمام استدارته، ثم يتناقص تدريجيا أيضا إلى أن يعود إلى ما كان عليه، هذه عجيبة يرونها بأعينهم، ويسألون عنها. ولكن، كيف رد عليهم القرآن؟ لم يوضح لهم القرآن الكريم كيف يحدث الهلال، وأن الأرض إذا حالت بين الشمس والقمر وحجبت عنه ضوء الشمس نتج عن ذلك وجود الهلال ومراحله المختلفة. فهذا التفصيل لا تستوعبه عقولهم، وليس لديهم من الثقافة ما يفهمون به مثل هذه القضايا الكونية لذلك يقول لهم: اصرفوا نظركم عن هذه، وانظروا إلى حكمة الخالق سبحانه في الأهلة:

قل هي مواقيت للناس والحج..

[البقرة: 189]. فردهم إلى أمر يتعلق بدينهم التقليدي، فاهتم ببيان الحكمة منها، وفي نفس الوقت ترك هذه المسألة للزمن يشرحها لهم، حيث سيجدون في القرآن ما يعينهم على فهم هذا الموضوع. إذن: قوله تعالى:

من شيء..

[الأنعام: 38]. أي: من كل شيء تكليفي، إن فعله المؤمن أثيب، وإن لم يفعله يعاقب، أما الأمور الكونية فيعطيهم منها على قدر وعيهم لها، ويترك للزمن مهمة الإبانة بما يحدث فيه من فكر جديد. لذلك نرى القرآن الكريم لم يفرغ عطاءه كله في القرآن الذي نزل فيه، فلو فعل ذلك لاستقبل القرون الأخرى بغير عطاء، فالعقول تتفتح على مر العصور وتتفتق عن فكر جديد، ولا يصح أن يظل العطاء الأول هو نفسه لا يتجدد، لا بد أن يكون لكل قرن عطاء جديد يناسب ارتقاءات البشر في علومه الكونية.

" والرسول صلى الله عليه وسلم حينما رأى الناس يؤبرون النخل، أي: يلقحونه. وهو ما يعرف بعملية الإخصاب، حيث يأخذون من الذكر ويضعون في الأنثى، فماذا قال لهم؟ قال: لو لم تفعلوا لأثمر، ففي الموسم القادم تركوا هذه العملية فلم يثمر النخل، فلما سئل صلى الله عليه وسلم قال: " أنتم أعلم بشئون دنياكم ".

فهذا أمر دنيوي خاضع للتجربة ووليد بحث معملي، وليس من مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم توضيح هذه الأمور التي يتفق فيها الناس وتتفق فيها الأهواء، إنما الأحكام التكليفية التي تختلف فيها الأهواء فحسمها الحق بالحكم. فمثلا في العالم موجات مادية تهتم بالاكتشافات والاختراعات والاستنباطات التي تسخر أسرار الكون لخدمة الإنسان، فهل يختلف الناس حول معطيات هذه الموجة المادية؟ هل نقول مثلا: هذه كهرباء أمريكاني، وهذه كهرباء روسي؟ هل نقول: هذه كيمياء إنجليزي، وهذه كيمياء ألماني؟ فهذه مسألة وليدة المعمل والتجربة يتفق فيها كل الناس، في حين نجدهم يختلفون في أشياء نظرية ويتحاربون من أجلها، فهذه اشتراكية، وهذه رأسمالية، وهذه وجودية، وتلك علمانية.. الخ، فجاء الدين ليحسم ما تختلف فيه الأهواء. لذلك نرى كل معسكر يحاول أن يسرق ما توصل إليه المعسكر الآخر من اكتشافات واختراعات، ويرسل جواسيسه ليتابعوا أحدث ما توصل إليه غيرهم، فهل يسرقون الأمور النظرية أيضا؟ لا.. بل على العكس تجدهم يضعون الحواجز والاحتياطات لكي لا تنتقل هذه المبادئ إلى بلادهم وإلى أفكار مواطينهم. وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من نفسه مثالا ونموذجا لتوضيح هذه المسألة، مع أنه قد يقول قائل: لا يصح في حق رسول الله أن يشير على الناس بشيء ويتضح خطأ مشورته، إنما الرسول هنا يريد أن يؤصل قاعدة في نفوس المتكلمين في شئون الدين: إياكم أن تقحموا أنفسكم في الأمور المادية المعملية التطبيقية، فهذه أمور يستوي فيها المؤمن والكافر.

ولذلك عندما اكتشف العلماء كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس اعترض على ذلك بعض رجال الدين ووضعوا أنوفهم في قضية لا دخل للدين فيها، وقد حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك. وما قولكم بعد أن صعد العلماء إلى كواكب أخرى، وصوروا الأرض، وجاءت صورتها كروية فعلا؟ فلا تفتحوا على أنفسكم باسم الدين بابا لا تستطيعون غلقه. وقوله تعالى: ﴿ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾ [النحل: 89]. الحق تبارك وتعالى وصف القرآن هنا بأنه هدى، فإذا كان القرآن قد نزل تبيانا فكان التوافق يقتضي أن يقول: وهاديا، لكن لم يصف القرآن بأنه هاد، بل هدى، وكأنه نفس الهدى لأن هاديا ذات ثبت لها الهداية، إنما هدى: يعني هو جوهر الهدى، كما نقول: فلان عادل. وفي المبالغة نقول: فلان عدل. كأن العدل مجسم فيه، وليس مجرد واحد ثبتت له صفة العدل. وكذلك مثل قولنا عالم وعليم، وقد قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٣٣